You are currently browsing the category archive for the 'غريب العقوبات' category.
بسم الله الرحمان الرحيم
مقصلة المراقبة الإدارية
صدر عليه حكم بالسجن لمدة ستة سنوات يوم 14 فيفري 1999… و عرف في غياهب السجون البعض مما عرف إخوانه في فضاءات التشفي و معتقلات الموت البطيء أو الموت قطرة قطرة ( على غرار الديمقراطية قطرة قطرة).. و قد نعود إلى معاناته داخلها.. و كان يوم 3 مارس 2003 يوم انتقاله من ” السجون الصغيرة” إلى السجن الكبير.. و كما للسجون الصغيرة فنون في التشفي و التنكيل فللسجن الكبير فنون كذلك.. و لعل من أبرزها “المراقبة الإدارية” ذلك الحكم التكميلي الذي لم تبخل به مختلف الهيئات القضائية التي كان لها “شرف” المساهمة في إزاحة خصم سياسي من المشهد العام التونسي من أجل إحكام القبضة على مختلف بقية مكوناته، لم تبخل به على الأغلبية المطلقة من قيادات حركة النهضة و أعضائها و المتعاطفين معها و من شاركها في الخلفية العقائدية عموما…
طلبوا من صاحبنا الحضور لديهم للإمضاء في دفتر خاص أعدوه للغرض.. و مع أن بدعة الإمضاء هذه قد اختلقوها ليا لعنق القانون و كسرا لعظامه- و هذا ما أجمع عليه رجال القانون- فأن صاحبنا لم يمتنع عن ذلك بل طالب بقرار وزير الداخلية الذي أوكلت السلطة القضائية مطلق التصرف في هذا الشأن دون أدني اعتبار لمختلف مصالح المحكوم عليه بها.. رأوا في هذه المطالبة تحديا لهم و لسلطتهم المطلقة و لم يراعوا فيه إلا و لا ذمة..فأوقفوه من جديد و لم يمض على سراحه شهران فحسب.. و مثل أمام محكمة ناحية منزل بوزلفى التي لم تر فيما فعلوا أي مخالفة للقانون رغم أن المخالفة أجلى من أن يتشكك فيها الأعشى بل الأعمى.. أصدرت حكمها بإدانته بالسجن لمدة ثلاثة أشهر… ثم كان الاستئناف بعد مدة قصيرة و لم تساير هيئة المحكمة الابتدائية بقرمبالية ما رآه السيد حاكم ناحية منزل بوزلفى فقضت براءته و حكمت عليه بعدم سماع الدعوى… كان ذلك يوم 5 جوان 2003…
و كان ما كان مما يجب ذكره ليبقى في يوميات العدالة دليلا “ناصعا” على استقلالية القضاء في هذه الديار..غادر صاحبنا السجن بمقتضى ما أصدرته محكمة قرمبالية الابتدائية…
لكنه لم يلبث في هامش الحرية غير أسبوع يتيم فقد حنت إليه عنابر الموت قطرة قطرة… ماذا وقع يا ترى…؟؟؟
عقبت النيابة العمومية الحكم بعدم سماع الدعوى على هذا ” المجرم الخطير الذي قبض عليه متلبسا بتقويض السلم الاجتماعي و تخريب الأمن العام و الخاص و تكدير “فرحة شباب تونس و التلاعب بالاقتصاد الوطني و الهرطقة السياسية و التجديف الديني”..عقبت النيابة العمومية الحكم يوم 6 جوان أي بعد يوم واحد من صدوره… و نظرا للخطورة القصوى أولته محكمة التعقيب ما يستحق من أهمية فاعتبرته ذا طابع استعجالي يحظى بالأولوية المطلقة، و انكب قضاتها الأفاضل على ملف القضية حال تسجيله لدى كتابتهم..
و أن تركنا القضاء جانبا و عدنا “للأعين التي لا تنام” فإنهم قد أعادوا الكرة من جديد مع صاحبنا، و طالبوه بالإمضاء فرفض مجددا معربا على استعداده لفعل ذلك بعد تبليغه فرار ا لزير.. فلم يفعلوا وأثاروا الدعوى ثانية… ولمزيد إبراز مدى قدرتهم وصولتهم لم يطلعوه على قرار الوزير رغم حصولهم عليه…
و يوم مثوله مجددا أمام المحكمة رافع السادة المحامون بما رأوه مناسبا لإثبات براءة موكلهم، و من المفيد هنا أن أذكر و لو بإيجاز ما دفع به الأستاذ محمد عبو إذ قال مشيرا إلى الطابع غير العادي لسير القضاء: أرجو من جنابكم يا سيد القاضي أن تستعمل كل صلاحياتك و كل قدراتك و كل معارفك و كل.. من أجل بلوغ هذه المدة القياسية على مستوى العالم في سرعة التقاضي، أفي أسبوع واحد تعقب النيابة الحكم و يسجل و يسند إلى هيئة تعقيبية فتنظر فيه شكلا و مضمونا ثم تصدر حكمها بنقضه، و تعود القضية من جديد إلى الابتدائية فتسجل و تسند إلى هيئة أخرى… أيتم هذا في مثل هذا الوقت القصير بكل المقاييس…؟؟
..
و جمع صاحبنا سبعة أشهر سجنا نافذة فورا، أربعة أشهر عن القضية التي نقضت محكمة التعقيب حكمها و ثلاثة أشهر عن القضية الثانية التي أثاروها ضده عند رفضه الإمضاء مجددا بعد صدور الحكم بعدم سماع الدعوى…
و انتقل صاحبنا في تلك المدة بين سجن مرناق و سجن صواف.. الذي غادره في اتجاه مركز “الأمن الوطني”بصواف من ولاية زغوان.. و في هذا المركز بالذات، أي في مركز لا يرجع إليه بالنظر إذ أن صاحبنا يقيم ببلدة منزل بوزلفى من ولاية نابل.. و مع ذلك- و خير البر عاجله- سألوه إن كان مستعدا للتوقيع في مركز الأمن عملا بتعليماتهم في ترتيب المراقبة الإدارية.. فأجاب بما كان من فهمه السليم للقانون روحا و معنى، أي أنه رفض الإمضاء قبل الاطلاع على صريح هذا الأمر في قرار وزير الداخلية بالتنصيص على ضرورة الإمضاء…
كان لسان حالهم يقول “هذه شوكة لم تنكسر، و يجب كسرها كلفنا ذلك ما كلفنا.. هذه شوكة قد تثير آخرين و تبعث فيهم حمية الممانعة و التمرد على تعليماتنا، و في ذلك ما فيه من جرأة غير مرغوب فيها و من تطبيق لقانون لم يوجد ليطبق..” استشاروا شياطين الإنس و الجن… و وجدوا الحلّ…
كل الطرق التي تؤدي إلى كسر هذه الشوكة مباحة، و كل المكائد يمكن أن تحبك،و كل المؤسسات لا يمكن لها أن تخالف إشاراتهم..
قرروا إيقاف والده الشيخ الذي بلغ من العمر عتيا… أوقفوه و هو الذي قدم إلى صواف محدثا نفسه بالرجوع إلى البيت صحبة ابنه… ماذا ارتكب المسكين؟؟ لا شيء..
هل احتال على الآخرين فسلبهم سياراتهم الفاخرة… أم استحوذ على مساحات شاسعة على الشواطئ دون أدنى وجه حق و في انتهاك صارخ للملك العمومي البحري… أم تاجر في الممنوعات فأخل باقتصاد البلد… لم يفعل المسكين ما يمكن أن يكون مبررا ليس للإيقاف بل ليقف أمام عون أمن وقفة خاطفة و عابرة… بل صرحوا بهتانا و إثما أن الشيخ قد تعلقت به قضية.. أين، متى في حق من أخطأ: أسئلة لا يمكن الإجابة عنها… ومع ذلك قضى الشيخ الجليل ليلته موقوفا في مركز صواف…
وقع إيقاف الشيخ الكبير لتتواصل مأساة العائلة… خرج الولد ليقع إيقاف الوالد.. و اكتشف مهدي الأمر بعد خروجه من مركز الأمن…
- “أين الوالد؟”
- “أوقفوه..”
- “الحمد لله الذي لا يشكر على مكروه سواه”
هل من المفيد البحث عن سبب اعتقاله؟ لا ليس من المفيد ذلك.. فهم أعوان تنفيذ، و بعد هذا و قبله يستطيعون اختلاق ما يشاؤون كمبرر لهذا الإيقاف… لنمض لما بعده… هكذا كان يفكر مهدي تلك اللحظات…
- ” متى يحال الوالد على محكمة التعقيب التي ادعيتم أنه مطلوب لفائدتها؟”
- ” يوم الثلاثاء القادم”
- “من الجمعة إلى الثلاثاء يعني خمسة أيام، لماذا؟”
- ” ليس لنا سيارة تنقله إلى محكمة التعقيب، و أول سيارة تأتينا من تونس يوم الثلاثاء”
كان عم قد بلغ من العمر اثنين و سبعين سنة، و هو يعاني من مرضين مزمنين: القلب و ارتفاع الضغط…
و رضخ مهدي للأمر الواقع: لا بد من استئجار سيارة تقل والده مع عون أمن إلى محكمة التعقيب إن كان يريد اختصار مدة الإيقاف..
و هذا ما تم فعلا يوم السبت.. قضى الشيخ ليلته في زنزانة مركز الأمن بصواف..
و في الصباح الباكر، كان الجمع في اتجاه تونس العاصمة.. حضر من السادة المحامين الأستاذ أسامة بوثلجة و الأستاذة سعيدة العكرمي..
كان المدعي العام في غاية الوضوح: أن الأمر لا يستحق حضور السادة وكلاء الدفاع، و أن ليس هناك كم مبرر لهذا الإيقاف.. و أمر بإطلاق سراحه…
و كان مهدي بين خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع لطلباتهم و الحضور في مركز الأمن على ما فيه من تعسف جلي و انتهاك صريح للقانون و تضييق عليه ف يسبل كسب لقمة عيشه… أو أن يطال هذا التعسف بل الاضطهاد أفراد عائلته بدءا من والده الطاعن في السن… و كان الخيار الأخير خياره و إن كان على مضض…
و تمت سنوات المراقبة على ما فيها من عنت.. على ما فيه من تضييق على لقمة العيش… على ما فيه من تجويع و عنت..
تنتهي المدة لكن يبدو أن السادة لم يكفهم ذلك… فاختلقوا من الأسباب ما أخروا به تاريخ انتهاء المدة قانونا…
و لعله من المفيد أن نذكر أن مهدي الذي كان يحضر في مركز الأمن مرة في الأسبوع منذ العديد من الأشهر طلب منه الحضور يوميا منذ بداية العام الجاري.. وهو ما أحدث في الواقع ضررا بالغا بالسيد مهدي بوصفه فلاحا تاجرا… حيث منع من تسويق منتوجاته حيث تعود فعل ذلك فأخل بالتزاماته إزاء المتعاملين معه و في ذلك ما فيه من ضرر بسمعته التجارية..
و الأن و قد انتهت السنوات الخمس مند يوم 8 مارس الماضي،فقيل له إن المدة تنتهي يوم 17 أفريل أي يوم بلوغ قرار الوزير و مع ذلك فهم حريصون على مواصلة تمديد العمل بالمراقبة الإدارية أي يعني مزيد تجويعه و التضييق عليه و على عائلته…
ألم نقل منذ أمد أن المراقبة الإدارية هي مقصلة من مقاصل التغيير…
جرجيس في: 26 أفريل 2008
عبدالله الـزواري
بسم الله الرحمان الرحيم
الإهمال الصحي
توفيق الزائر
توفيق الزائر من مواليد 13 فيفيري 1963 ببوسالم من ولاية جندوبة ، وقع إيقافه يوم 7 سبتمبر 1991 في الحملة التي شنها النظام الحاكم في أوائل التسعينات من القرن الماضي على من اعتبروا بعد انتخابات 1989 العدو الواجب التخلص منه اليوم قبل غد و بأي طريقة كانت…
عرف السجن و ويلاته بعد ما مر بفرقة ” أمن الدولة” العتيدة و أذاقوه هناك من أصناف العذاب ألوانا لا يزال جسده النحيف يحمل الكثير من آثاره…
بعد سثة عشر سنة من المصابرة و الثبات أفرج عنه تخفيفا من اكتظاظ تشهده السجون التونسية و توفيرا لأماكن للمناضلين السلفيين(او المجاهدين كما يحبون أن يوصفوا) الذين تشن الحملة تلو الحملة عليهم أو على الذين يتزيون بزيهم…
غادر توفيق السجن يحمل من العاهات و الأمراض ما يشغله عن الناس، لكنه ما فعل…
أمراض توفيق عديدة و قد ساهم الإهمال الصحي في السجون التونسية في تفاقمها، و نذكر منها بالخصوص:
* انسداد في شرايين الرجل اليسرى كاملة.
* مرض السل بالغدد و الرئتين.
* كمية من “الماء” بالجانب الأيسر.
* كمية من “الماء” بين القلب و الغشاء.
* كسر أسفل الكتف الأيسر. ( لا فائدة في ذكر تاريخه).
* مرض عصبي.
* قرحة المعدة..
لقائل أن يقول: ” يجب على من يعاني من مثل هذه الأمراض أن يقيم أمام المستشفى أو بجواره تفاديا لما لا تحمد عقباه…” نعم يكون ذلك عندما يصبح في بلادنا من الجمعيات الإنسانية و الهيئات الخيرية و المنظمات الطبية من يرتقي باسلوب عمله إلى ما يستوجبه الواقع و يريد أن يبلسم جروحا لن تندمل و أن يذهب الغيظ من القلوب و يشفي شيئا مما في الصدور..
توفيق الزائر يقيم الآن في دشرة “بلطة” في مرتفعات خمير من ولاية جندوبة، تبعد بلطة عن بلدة بوسالم 15 كلم و عن مدينة جندوبة مركز الولاية 50 كلم.. و ككل خاضع للمراقبة الإدارية أوجبوا عليه في انتهاك صارخ لأحكام المراقبة الإدارية التنقل يوميا إلى مركز الأمن ب “بوعوان” … و يبعد هذا المخفر للشرطة 4 كلم عن بيت توفيق أي أن توفيق الزائر يقطع يوميا 8 كلم ( أحيانا كثيرة على الأقدام) للحضور لديهم وفق ما يشتهون…
غادر توفيق السجن لتبدأ معاناة عائلته مرحلة أخرى، كانت معاناتها تنحصر كرها في تعقب آثاره من سجن إلى آخر لتقديم ما يمكن تقديمه من طعام وثياب و اطلاع على حاله، أما الآن فتوفيق بينهم لكن دون شغل و لا مورد رزق، و توفيق يعاني أمراضا عديدة تستوجب من المال ما لا تقدر عليه، توفيق ممنوع من الضرب في الأرض وفق تنزيلهم الخاطئ لأحكام المراقبة الإدارية…
في شهر سبتمبر الماضي تقدم توفيق بطلب يمكنه من الذهاب إلى العاصمة لمواصلة العلاج، في مستشفى شارل نيكول، كان يوم الخميس 20 سبتمبر 2007 موعدا لإجراء فحوصات مختلفة و متابعة طبية… تقدم توفيق بما فرضوا عليه و على من هو في مثل حاله…
استجابوا لطلبه في الانتقال إلى العاصمة لمواصلة العلاج، لكنهم كما قيل صمتوا دهرا ثم ……… اشترطوا عليه من الشروط أعجبها… اشترطوا عليه أن لا يقيم عند أي كان من أقاربه أو أصدقائه… نعم هكذا بكل بساطة… و كأنهم يقولون: ” أموالك الطائلة تمكنك من الإقامة في أي نزل تريد أي مدة تريد”..
توفيق قضى سبعة عشر يوما من شهر رمضان الماضي في نزل “المصمودي” بالعاصمة بإيجار يومي مقداره عشرون دينارا… أي أكثر من ضعفي الأجر الأدنى في تونس…
انتهت فترة المتابعة الطبية و حدد الطبيب المعالج موعدا جديدا لتوفيق هو يوم 30 أكتوبر الجاري… و فور عودته من شارك نيكول اتجه إلى مركز “بوعوان” ليعلمهم بالموعد الجديد مستظهرا بدفتر العلاج و تنصيص الطبيب عليه… و مرت الأيام… و قبل أيام من الموعد المحدد توجه توفيق للمركز الراجع إليه بالنظر مذكرا بضرورة انتقاله للعاصمة للعلاج… طلبوا منه الانتظار.. و أكثر من التردد عليهم حرصا على مواصلة العلاج، عندها طلبوا منه المكث في بيته و عدم تجشم مشقة الانتقال إليهم و أنهم يتكفلون بإعلامه بالجديد – إن حدث- في شأنه…
نعم هكذا بكل بساطة” امكث في بيتك و سنعلمك بالجديد…”
استشاط توفيق غضبا…. ألا يلعبون بحياته؟؟؟ مرض السل لا يزال موجودا في تونس التغيير، مرض السل لا يزال يحصد الأرواح في تونس العهد الجديد…
قرر إرسال برقيات في كل الاتجاهات بدءا من رئاسة الجمهورية….إلى الجمعيات الحقوقية و الإنسانية… و يعلم بما يحدث له كل من يحمل ذرة من الغيرة أو من النخوة أو من المروءة أو من القيم ليساهم في كشف الوجه القبيح لأدعياء حقوق الإنسان… أبعد هذا من لا تزال غشاوة على عينيه؟؟؟
وفي مساء هذا اليوم اتصل به السيد مراد رئيس مركز بوعوان معلما إياه بأنهم سيقومون بالواجب غدا و انهم سيتصلون بشارل نيكول…. فهل يصدقون؟؟؟؟
ملاحظة:
أمراض توفيق الزائر بالفرنسية:
-Tuberculose ganglionnaire et pulmonaire
-Péricardite
-Phlébite MIG
-Epanchement pleurale bilatéral
-Ulcère
- …
جرجيس في 30 أكتوبر 2007
عبدالله الـــزواري
القانون و الممارسة
ينظم حياة المساجين في البلاد التونسية، نظريا، القانـون عدد52 لسنة 2001 المؤرخ ب:14 ماي 2001 و الصادر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، بتاريخ 18 ماي2001.وقد خلف الأمر عدد 1876 المؤرخ في 4 نوفمبر 1988. و قد أسالا كثيرا من الحبر عند صدورهما، و اعتبرا ضامنين لحقوق السجين و كرامته، ولم تبخل عليهما بعض الأقلام بصفات التمجيد و الإطراء. فأين هذه النصوص من الواقع؟ و مدى حفظهما لكرامة السجين و حرمته الجسدية؟
سنقوم بمقارنة سريعة بين التشريعين أولا ثم سنبرز هول الاخلالات المكرسة عمليا تحت نظر قاض سام كان من المنتظر منه أن يعيد للقانون كلمته العليا.
إن أول ما يسترعي انتباه الملاحظ إن الفصلين المذكورين يكادان يتطابقان لفظا و معنى في الجزء الأكبر منهما غير إن قانون52 لسنة 2001 وردت به إضافتان هامٌتان تبدو مكرٌسة لحقوق السٌجين ضامنة لحرمته الجسديٌة و حائلة دون التسٌلٌط عليه.
هذا ما يتبادر إلى ذهن الذي لم يعرف السجون التٌونسيٌة عن كثب ولم يصطل بلهيب التسلٌط و القهر و سعير الإذلال و الإهانة التي تعتبر الخبز اليومي للسجين و الوجبة “الإصلاحية” التي تحرص الإدارة على تقديمها إليه و تذكيره ليل نهار بضرورة الانقياد للوصفة العلاجية التي اقرٌها السٌادة الضبٌاط خرٌيجو الأكاديمية العسكرية و المدرسة الوطنية للسجون و الإصلاح…
ونحن إذ نقول و نكرٌر إننا لسنا في حاجة إلى تشريعات جديدة بقدر ما نحن في حاجة إلى تطبيق سليم للتٌشريعات الموجودة وهذه هي العلٌة و الدٌاء العياء الذي ينخر دواليب الإدارة فكم من قانون جيٌد بمقاييس حقوق الإنسان و المواثيق الدوليٌة والحرٌيات العامٌة و الخاصٌة وقع سنٌه منذ سنوات لكنٌه بقي حبرا على ورق فلا يذكر إلا في معرض الحديث عن إنجازات التٌغيير في المحافل الدوليٌة وفي الأحاديث الصحفية و الزٌيارات المنظٌمة التي تقوم بها وكالة الاتصال الخارجي تلميعا لصورة بلد أصبحت كالحة و باهتة بفعل ممارسات كثير من مسؤوليه و قياداته… فالذين اختارهم “التغيير” لخدمته هم الذين يمرٌغون وجهه في الوحل و يثيرون النقمة عليه و يجلبون عليه سخط الشٌعوب و صراخ الضٌمائر و أسف و لوم الأصدقاء قبل الخصوم و الأعداء..
و نتوقٌف اليوم عند أمر 1876 لسنة 1988 و قانون 52 لسنة 2001 و الواقع اليومي الذي يعيشه المساجين لنرى البون الشاسع بين نصوص وضعها المشرٌع و تطبيقاتها كما حرص جزء من السٌلطة التنفيذية أن تكون…مركٌزين حديثنا على الإضافتين الواردتين في قانون 52 لسنة 2001 وأولاهما تقول:
(الإيداع بغرفة منفردة تتوفٌر فيها المرافق الصٌحٌية لمدٌة أقصاها عشرة أيام بعد اخذ رأي طبيب السٌجن و يكون خلالها تحت رقابة الطبيب الذي يمكن له مراجعة الإجراء لأسباب صحية)
إننا لن نطالب الإدارة بتقديم إحصاء يبرهن على تطبيقها لما ورد سابقا لانٌ ذلك لن يعجزها بل تستطيع فعل ذلك و أكثر لكنٌنا نقول إن مقابلة السٌجين المريض للطبيب ليست بالأمر الميسور -1- لأسباب موضوعية:
- لا يوجد بكل السٌجون أطباء يعملون كامل الوقت بالسجن مثل رجيم معتوق و جندوبة إلى سنة 1997 على الأقل…..
- بعض الأطباء يعمل في سجنين في نفس الوقت مثل سجن النٌاظور و سجن بنزرت المدينة لهما طبيب واحد
- ليس هناك حصٌة استمرار طبٌي بأي من السجون التونسيٌة فسجن العاصمة-الحبس الجديد- و الذي يعمل به ما لا بقل عن أربعة دكاترة طب عام لا يوجد به طبيب ليلي والحالات الطارئة التي تخضع إلى تقدير العون الممرٌض و اجتهاده يقع توجيهها إلى مستشفيات العاصمة إن لم تكن هناك تعليمات تمنع ذلك.
- الإيداع بالسجن المضيٌق قد يتمٌ بالليل و النٌُهار و أيام الآحاد والأعياد و العطل و الطٌبيب غير موجود في كل تلك الأوقات.
-
فلِمَ يقع هذا التنصيص على دور الطبيب الذي أصبح في قانون52 المؤرخ ب 14ماي2001 صاحب رأي يؤخذ قبل الإيداع بالسيلون كما أصبح بامكانه مراجعة هذا الإجراء وحمٌل مسؤولية مراقبة الحالة الصحية للسجين المعاقب ؟ِِ
تعلمنا في ظل أنظمة القهر والاستبداد أن نبحث عن الأسباب الحقيقية وراء كل تشريع بعيدا عن الرواية الرسمية وأبواق دعايتها و بالخصوص إذا كان هذا التشريع يندرج ضمن مدوٌنة حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة………….
ألا تكون الوفيات العديدة و المسترابة -2- في الغرف الانفرادية وراء ذلك؟
ألا تكون هناك إرادة خفيُة لتحميل المسؤولية في هذه الوفيات إلى طرف آخر غير أبناء الإدارة الافحاح -3- و نقصد بهم ضباط الإدارة و أعوانها و تحديدا المسؤول الأول في السجن وهو المدير و مساعديه المقربين و هم في العادة الذين يتولون عمليات “التأديب الغليظة” و “الإصلاح الخشن”.

و إذا كان السادة إطارات الإدارة العامـة و مديرو الوحـدات السجنية قد اجتمعوا مرارا و تكرارا لتدارس مشروع هذا القانون المنظم للسجون و لواحقه ، فهل اجتمع السادة الأطباء لإبداء رأيهم وبسط ملاحظاتهم و تقديم مقترحاتهم فيما يتعلق بالفصول التي تهمهم تحديدا و بالمسالة الصحية عموما؟
أما الإضافـة الثانيـة، التي تستحـق وقفــة متأنية، وهي قولـهم:
Read the rest of this entry »
….بالوعة المياه المستعملة،النمل، ألذباب، ثم ماذا بعد؟؟؟؟
كأن العقوبات المحددة في القانون المنظم للسجون في البلاد التونسية ( أو في سلفه الأمر عدد 1876 الصادر في 04 نوفمبر 198
قاصرة عن تحقيق ما وضعت من أجله من محافظة على الأمن داخل الوحدات السجنية و احترام لحسن سيرها فطفق مديرو هذه الوحدات، في سباق محموم، يبتكرون من طرق “الردع” و ” التأديب” ما لم يسبقوا إليه مطلقين العنان لخيالهم الوقاد دون زاجر من قانون أو ضمير أو أخلاق أو دين أو مروءة أو إنسانية… و قد سبق أن رأينا في هذه السلسلة نماذج غريبة من العقوبات أن دلت على شيء فإنما تدل على رسوخ حقوق الإنسان لدى هؤلاء كما تدل على مدى حرص الإدارة العامة للسجون و الإصلاح على احترام إنسانية السجين و السعي إلى إصلاحه و النهوص به…
و قد رأينا ” النمل” و جاء دور “الذباب”…..
في سجن حربوب من ولاية مدنين بالجنوب التونسي رأى السيد المدير أن العقوبات المنصوص عليها بالقانون عدد 36 لسنة 2001 غير ذات جدوى في تأديب المساجين و ردعهم فأعرض عنها و لا أدري أهناك من ساعده في ابتكاره هذا أم كان إنتاجا خالصا له يحق له أن يسجل براءة لاختراعه يستفيد من عائداته حصريا…
جرت العادة أن يقع تجميع حاويات الفضلات في فسحة المطبخ على أن يقع تفريغها قبل خصة العمل الإداري المسائي، و كان الذباب يتجمع على هذه الحاويات بشكل مكثف، فرأى سيادة المدير توظيف هذا الذباب لتأديب بعض المساجين… و إن كان النمل غير مقصود في حادثة “إيريك السويسري” في سجن العاصمة (9 أفريل) فإن النمل هنا مقصود و مضمر…
يقع خلط السكر بالماء حتى يتحصل السيد المدير على خليط لزج ثم يعمد إلى السجين فيجرد من ثيابه ليبقى في أبسط ثيابه( تبان قصير) ثم يطلى جسد السجين بذلك الخليط اللزج ثم تقيد يدي السجين إلى باب ساحة الفسحة ( وهو متكون من صفيحة حديدية) و يقضي السجين على هذه الحالة ما شاء السيد المدير… و لا شك أن الذباب قد أوتي من الحكمة و التمييز ما يجعله يعرض عن حاويات الفضلات الوسخة لينقض على السجين المسكين- معذرة لينقض على السكر المحلول في الماء… و لكم أن تتخيلوا البقية…
و قد يتساءل المرء ” ماذا فعل هذا السجين ليسلط عليه الذباب؟؟؟”
اطمئن سيدي القارئ، هذا السجين لم يحفر نفقا للفرار من السجن كما أنه لم يتسلق سور السجن فهو يعلم أن تلك الأسلاك الشائكة مكهربة، و لم يعتد على أحد الأعوان أو المساجين كما أنه لم يعتد حتى على الذباب، لم يقبض عليه متلبسا بجريمة أخلاقية أو سياسية، لم يسب الجلالة و لم يثلب زعيما و لا حكيما و لا عرافا و لا لاعب كرة قدم أو كرة يد، لم يصدر عنه أي تعليق عند بث شريط الأنباء بل لم يضحك و لم يتبسم… جريمة هذا السجين أنه خاط قطعة قماش ليستعملها سجين محال في قضايا الإرهاب كستار يحجب عنه نور المصباح الكهربائي أو ليوفر لنفسه شيئا من العزلة عن محيطه السجني عساه يرفه عن نفسه بعض الشيء بذكر الأحبة…
و ختاما كم من المقالات حبرت تنديديا بما يقع في قواتنامو أو سجون العراق في الصحف العربية الرسمية و شبه الرسمية، و كم من الشخصيات العربية الرسمية من ملوك و رؤساء و وزراء و برلمانيين و إعلاميين أطنبوا في الحديث عن حقوق الإنسان و ضرورة احترامها أثناء التعامل مع الأسرى و المساجين قي المعتقلات الأمريكية… لكنهم ” صم بكم عمي” إذا تعلق الأمربالسجون في بلدانهم و كأن لسان حالهم يقول: ” إن المصحف الذي دنس في أبو غريب أو قوانتنامو هو غير المصحف الذي عندنا، و أن السجناء الذين أهينوا هناك هم غير هؤلاء الذين يملؤون سجوننا…
و لن يكرم الإنسان إلا كريم كما…….
و الســـلام
(6)
شيئا من الويسكي في رجيم
يخطئ من يظن أن السجون التونسية يسودها ألانضباط و النظام حتى في ظل أشد المديرين شراسة و غلظة و فظاظة على المساجين عموما، فلكل مدير أصدقاء من المساجين و معارف و أبناء بلد، و لكل مدير عيون و آذان و أياد، ولكل مدير أفئدة و آمال و مطامح…كما أن لبعض المساجين جرأة و غطرسة أو أقارب و قريبات أو أموال و عقارات أو شهادة و إفادات…و لذلك أو لبعض ذلك يتمتع بعض المساجين بكثير من الامتيازات التي لا يتمتع بها سواهم، و قد يكون بعضها يمثل خرقا صريحا لقوانين البلاد. لكن ما العمل والسجن وسط مغلق بإحكام، تسعى السلطة بكل ما لديها من قدرات إلى مزيد غلقه و فصله عن حياتنا العامة و عن وسائل الإعلام؟.إننا لا نذيع سرا إذا قلنا إن سجناء الرأي هم المعرضون بدرجة أولى إلى مختلف أشكال التعسف طيلة أكثر من عقد من الزمان بل إنهم، هم دون سواهم، المحرومون من أبسط الحقوق المضمنة قي قانون عدد52 لسنة 2001 ومن تلك التي وردت قبل ذلك في أمر 1876 لسنة 1988. وفي الوقت التي تبرز فيها ألإدارة في مختلف درجاتها بأقسى التشدد إزاءهم نجد في المقابل مساجين آخرين يتمتعون بأقصى ظروف التخفيف و غض الطرف و اللامبالاة. فهذا « شارون » المعروف بدوسه على المصحف و إنزاله أشد العذاب على من أدى الصلاة جماعة يلقي بكل شيء عرض الحائط فيحدث في سجنه ما يلي لكن مقابل أي شيء يا ترى؟
في يوم 21-9-1996، تمكن سجين من تسريب قارورة خمر أثناء الزيارة، و شربها مع سجين أخر يدعى م.ر .-1- أصيل جربة و يعمل في جناح الزيارات ، أما الأول فهو ص.ش. -2- قاطن بأحد الأحياء الشعبية في ضواحي صفاقس ، و قد نقل إلى رجيم معتوق معاقبا من سجن صفاقس الذي كان يديره شكري بوسريح ، و تفطن احد الأعوان إلى أنهما شربا خمرا. و في مساء نفس اليوم اخرج المدير كافة المساجين إلى ساحة الفسحة و وقع تجريدهم جميعا من كل ملابسهم و صنفهم إلى ثلاث:
1- الموشمون
2- “المشلطون”
3- ” النظاف”
ثم أمر الموشمين و المشلطين بالدخول إلى المطبخ (نعم إلى المطبخ) حيث وقع الاعتداء عليهم جميعا بصفة وحشية مستعملين الهراوات، و لم يقف الأمر إلا عند تدخل الوكيل الأول البشير العرفاوي الذي بدا هو يستعطف المدير ثم اقسم عليه أن لا يضرب أحدا بعد ذلك، فاستجاب له.
و مدير رجيم معتوق وقتها هو الذي ارتضى لنفسه تسمية شارون.
————
1- هو محمد ألرياحي.
2 - هو صالح الشيحاوي أصيل حي الحبيب صفاقس
في صائفة 1994 في حربوب و اثر شجار بين سجينين، أراد احدهما الاستنجاد بالحراسة فقال الثاني وهو رضا الكرايني أصيل جربة اعمل ما تريد و ذكر “الحاكم” بكلمات سوقية، و كان الاعوان يستمعون إليه دون أن يتفطن لهم، فوقع استدعاء المدير في الحين، و كان رئيس الحراسة يدعى خيري. وبدا تعنيف السجين باستعمال الهراوة ( فلقة) بعد تعريته تماما و كان يطلب،بل يؤمر بين جولات التعنيف، بالجري عاريا تماما بين الغرف و أمام أعين بقية المساجين،منعا لتجمع الجم في قدميه. وهذا المدير هو شارون حسب ما كان يصف به نفسه.
الجزائري بلهويشات في برج الرومي
كان الطقس باردا، و كان رذاذ يتساقط خفيفا متكاسلا، انه جو خريفي بسمائه ذات السحب الدكناء التي تنقشع حينا وتتراكم أخرى….و مع العاشرة صباحا نستمع إلى وقع أحذية عسكرية تخبط الأرض، وجلبة وضوضاء تزداد حدة وتقترب شيئا فشيئا….
يفتح “محجوب” العون المكلف بالجناح المضيق الأبواب المؤدية إلى ساحة الفسحة الواحد تلو الآخر، ويطلب مني قطع حصة الفسحة، والعودة سريعا إلى غرفتي….”أي مسكين هذا الذي سيكون فريسة لهؤلاء في هذا اليوم شديد البرد؟”
أثناء رجوعي إلى غرفتي بعد جمع أمتعتي من ساحة الفسحة، اعترضني المدير مزهوا زهو ذلك الصياد الذي ظفر بصيد مهم في ساعة مبكرة من رحلة القنص، هذا المدير قد امتلأ شحما ولحما عما كان عليه قبل سنوات قليلة، فسبحان مغير الأحوال…
دخلت غرفتي، أوصد العون بابها، ولم يكتفي بذلك بل أغلق كذلك شباكا (كوة صغيرة ) صغيرا لا يتجاوز ضلعاه 10صم/7صم، تمددت علي فراشي ومددت جهازي الالتقاط عساي أعرف ضحية اليوم، اهو حق عام أو “صبغة خاصة”، وما السبب الذي جعله وليمة لهؤلاء في مثل هذا اليوم…
انه شاب جزائري، كان نزيلا في سجن القصرين، قريبا للحدود الجزائرية، وبالتالي قريبا بعض الشيء من عائلته، ولكن بعدما علم إخواننا الجزائريون المساجين درسا آخر في التكتم والتعاون والتضحية واستطاع أحدهم الخروج من السجن وهو محكوم عليه بعشرين سنة في انتظار بقية الأحكام. استطاع الخروج عوض سجين أخر محكوم عليه بشهر فقط في قضية اجتياز حدود، إذ تقدم إلى كل الأعوان و المصالح بهوية الجزائري المحكوم بشهر يوم انتهاء عقوبته، و تمت كل الإجراءات السجنية للإفراج بسلام، و سلم إلى مصلحة أمنية تونسية، سلمته هي بدورها إلى المصالح الجزائرية التي أطلقت سراحه هي بدورها… و لم تتفطن إدارة سجن القصرين لذلك إلا يوم تقدم الجزائري المحكوم بشهر إليها متسائلا عن سبب عدم إطلاق سراحه و قد تجاوز المدة المحكوم بها، و تتثبت الإدارة في الأمر، و تكتشف الحقيقة، و يصيب “شارون” ( هكذا كان مدير السجن يسمي نفسه) ذهول ارجع له شيئا من العقل و من التواضع…
وكان رد الإدارة متماشيا مع ما دأبت عليه، فنظمت وليمة كبرى لكافة الجزائريين الذين كانوا يسكنون نفس الغرفة حيث عنفوا تعنيفا شديدا لم يسبقوا إليه تم قررت الإدارة العامة تشتيتهم وتفريقهم علي كافة سجون البلاد..وكنت تعارفت علي كل من “جمال حبية” و”كمال السلطاني” في سجن جندوبة حيث نقلا إليه بعدما ذكر، كما نقل صاحبنا إلى سجن برج الرومي في ربيع 1997، ومن هناك كاتب الإدارة العامة العديد من المرات، راجيا تقريبه إلى السجون المتاخمة للحدود الجزائرية، مراعاة لظروفه العائلية القاسية وحالته المادية المتردية..لكن متى كان من يفعل ذلك يظفر بطائل أو يتلقى أية إجابة، و بعد عام ونصف، أي في أكتوبر 1998، اختار الدخول في إضراب على الطعام كمواصلة لطرح مشكلته، و تكتم عليه طيلة 10أيام ثم وقع التفطن إليه. و هذه سياسة كان المساجين يلجؤون إليها عسى الإدارة تراعي مدة الإضراب السابقة فتعنفهم بدرجة اقل حدة و شراسة…
و ما أكثر الوشاة من المساجين عديمي المروءة الذين يعدون أنفاس زملائهم و يتتبعون مختلف حركاتهم و سكناتهم… و بلغ الأمر الإدارة، فصدع بالحقيقة و طالب بنقلته إلى سجن القصرين أو سجن الكاف، فقيل له اتبع طرق الإدارية المتعارف عليها، أعلمهم انه فعل ذلك العديد العديد من المرات لكن دون فائدة.
- ” أتظن الفائدة في إضراب الجوع هذا؟ هيا انزع ثيابك!”
و تعالت الأصوات:”انزع ثيابك! انزع ملابسك! ضعها هناك! القها هنا! أسرع! هيا!”.
وضع نذل المساجين رجلي السجين في حبل الفلقة ثم لفه جيدا و رفع القضيب الحديدي واسكنه مكانه المعد له في الحائط، وارتفعت رجلا الجزائري المسكين إلى السماء، و كما هو الشأن مع عشرات المساجين - بل مئات – تقدم المدير لافتتاح «الوليمة” ثم تأخر قليلا ليأخذ المشعل عنه كل من حبيب عليوة و صالح المحمودي (وكيلان اولان آنذاك) و تواصلت الهراوة: هراوة تنزل و الأخرى ترتفع في نسق موزون، و السجين يصيح صياحا يمزق نياط القلوب، و يسترحم جلاديه بعد أن تحجرت قلوبهم، فكيف يستجيبون؟ و بعد العشرات العشرات من الجلدات، أصبح يصيح وقد يئس من استجابتهم له: j’en peux plus ! J’en peux plus » » فيرد المدير:” ماذا يقول؟” فيعيد المسكين نفس الكلام بالفرنسية، و يعيد المدير نفس التساؤل العشرات من المرات الأخرى…ثم يخاطب صالح المحمودي السجين و قد رق لحاله:” تكلم بالعربي، أتسمع؟ سي عماد ما فهمكش”.
فيجيب المسكين:” ما عادش ما نقدش ما عادش…..”
و عندئذ يشير المدير بإيقاف التعذيب، و يهرول نذل المساجين كعادته في مثل هذه الحالة، حاملا سطل ماء ليسكبه على رجلي السجين التين قد انتفختا و ازرورقتا، و ذلك كتقنية لمنع الانتفاخ و الحد منه على الأقل…
كان هذا في شهر أكتوبر سنة 1998، و سجيننا هذا جزائري الأصل و يدعى”بلهويشات” و كان موجودا في سجن العاصمة سنة 2000، في جناحF..
ايريك و النمل- ERIC et les fourmis
قصير القامة، ممتلئ الجسم، ابيض الوجه مشرب بحمرة، حليق الشاربين، أشقر الشعر مع بداية تساقطه في مقدم الرأس، تجاوز الثلاثين، قدم إلى بلادنا سائحا سنة 1998 أو قبلها بقليل، اجتماعي، طبيعته المنفتحة جعلته يتعارف على شاب تونسي أصيل القيروان المدينة….و توطدت العلاقة بينهما سريعا، انه ايريكERIC، سويسري الجنسية ناطق بالفرنسية يعمل مصورا في بلده… أقنعه القيرواني بيسر بجدوى إقامة مخبر عصري و أستوديو للتصوير بمدينة القيروان… أعجبته الفكرة كما أعجبته شمس بلادنا Kو بحرها وهواءها…فرجع إلى بلاده على أمل العودة سريعا بعد إعداد العدة لإقامة المشروع…
و يرجع بعد مدة و قد جلب معه كثيرا من التجهيزات العصرية و مبلغا ماليا يناهز ثلاثة مائة ألف دينارا من العملة التونسية حسب قوله…
و في القيروان اكترى منزلا للإقامة فيه و بدا مع صديقه التونسي يستعدان كل من جهته إلى تنفيذ المشروع الذي كان قد استقر عليه رأيه..
و في ليلة وقد اختلى فيها بنفسه، يطرق الباب عليه فيذهب لفتحه…و بدون استئذان تدخل فتاة متمايلة، متثنية، تراوده عن نفسه، و سرعان ما تغادر المكان متظاهرة بالاضطراب، متصنعة الخوف و الذعر…لكنها ما أن تتجاوز الباب بقليل حتى يقتحم المنزل أخوها و صديق له، و يشرعان في تعنيف السويسري تعنيفا لم يكن ينتظره من شريكه، بل لم يكن يخطر له على بال ليستعد له… و يطرحانه أرضا ثم يحملان ما يوجد في البيت من تجهيزات، كما استوليا على مقدار مالي و يغادران البيت… عندها يتحامل “ايريك” على نفسه، يذهب إلى المطبخ، يأخذ السكين، و يلتحق بهما في الشارع، متهالكا، صائحا، فيعود إليه احدهما، فما كان منه إلا أن غرس السكين في موضع قاتل من جسده، أودى بحياته…و يقبض على ايريك بتهمة القتل…و يحاكم نهائيا بعشرين سنة سجنا.. و لم يعر الباحث و لا القاضي أهمية لمسالة الاستيلاء على الأموال و التجهيزات… و المكيدة…
و يصاب “ايريك” بصدمة نفسية حادة وانهيار عصبي اضطره إلى استعمال دواء وصفه له طبيب الأعصاب بالسجن… و أثناء نوبة عصبية من النوبات التي كانت تعتريه من حين لآخر، أجهز على جهاز التلفزة في الغرفة التي كان يقيم بها فكسره… و تقرر الإدارة معاقبة ايريك عقوبة تستحق الذكر لغرابتها….
يجرد “ايريك” من ثيابه و يبقى في تبان بسيط و توثق يداه بالغل الحديدي menottes وهو محتضن شجرة من الأشجار الموجودة بساحة السجن الكبرى قرب المشرب… كما يوثق كذلك بحبل لمنعه من الحركة… و يبقى المسكين على تلك الحال برهة من الزمن كانت كافية لتذيقه الأمرين… فمن سوء حظه أن يوجد بيت نمل أسفل تلك الشجرة… فيهجم عليه شيئا فشيئا، و لم ينتبه صاحبنا إلى خطورة الأمر إلا و قد اكتسح النمل مناطق واسعة من بدنه، و يبدأ في عضه من هنا وهناك، و يتعالى صياح “ايريك” لكن لا مجيب… واعتبروا صياحه نوبة أخرى من نوباته التي كانت تلم به، أو يفتعلها، حسب تقدير البعض منهم… ولم تقع نجدته في الوقت المناسب…مما أدى به إلى التغوط وهو على تلك الحال، على مرأى و مسمع من الأعوان و المساجين الغادين و الرائحين…كان ذلك في سنة 2001 في ظل إدارة العقيد صلاح أبراهم… و تثار القضية الأصلية من جديد في ماي 2003 و ينقل إلى سجن القيروان لإعادة مقاضاته…
هيأته هيأة التركي عموما: جسم مفتول العضلات، شوارب قوية، شعر أسود، قامة متوسطة…يقضي حكما بالسجن بعشرين سنة في قضايا مخدرات…و كعموم المساجين يمر بفترات تضيق فيها الدنيا عليه ضيقا لا مزيد عليه..ولعل هذه الفترات ذات ارتباط وثيق بالمناسبات الدينية وغيرها (مثل الأعياد الدينية – العودة المدرسية..)
ولعل صاحبنا مر بفترة ضاقت فيها الدنيا عليه وضاقت عليه نفسه أيضا مع قرب حلول عيد الأضحى المبارك سنة 1997 وفي لحظة انفعال وانقباض نفسي عمد إلى تكسير مرآة الغرفة التي يقطن بها(المرآة موجودة في جناح F فقط وفي بعض غرفه فقط كذلك وهي 1+2+3 )، وكعقوبة عما ارتكب ادخل السجن المضيق وهناك أوثق الأعوان يديه حول قضيب حديدي لأحد الأبواب بحيث كان مجبرا على الوقوف على أطراف أصابع رجليه ويستحيل عليه الوقوف على بطن قدميه دون أن يحدث آلاما مبرحة بمعصميه بفعل قيد الحديد…وعلى ذكر هذه العقوبة نقول أن الإدارة كانت كثيرا ما تلجأ إليها خصوصا مع المساجين الذين لم يصدر قرار بإيداعهم السجن المضيق أو بإرجاعهم إلى غرفهم والاكتفاء بإنذارهم أو توبيخهم أو تعنيفهم…فهم في حالة انتظار ما يقرر في شأنهم.
وللتاريخ نقول أن السجين المهندس أول عبد الحميد الجلاصي، يوم استدعاه رشيد إدريس رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية ليحدثه عما تعرض له من تعذيب، وكان ذلك بحضور الملازمين آنذاك بلحسن الكيلاني وعماد العجمي، سال بشيء من التهكم عن أي تعذيب يريد أن يحدثه: “عن التعذيب أثناء التحقيق في محلات وزارة الداخلية أو عن التعذيب في السجن المدني؟ و عن التعذيب المادي أم النفسي و المعنوي؟ و أضاف دون انتظار جواب، أحدثك عن التعذيب هنا، في هذا السجن بالذات، بل في هذه اللحظة بالذات، وفي الجناح المضيق الذي قدمت منه الآن، و بحضور ابرز المسؤولين بعد المدير، أحدثك عن التعذيب الذي يمارس الآن، و شاهدته بأم عيني، رأيت شبابا معلقين من معاصمهم بالقيود الحديدية (كلبشات)، في أبواب الغرف الانفرادية في الجناح المضيق.” كما حدثه بإطناب عن أشكال التعذيب الأخرى التي تمارس بالليل و النهار على مرأى و مسمع من الجميع، وكان ذلك في صائغة 1991..
والتقينا بعد عام، و تجاذبنا أطراف الحديث….لم يكن عبدالحميد يأمل من حديثه أن يتصدى رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان للتعذيب أو يحقق فيه و يوقف مرتكبيه لمقاضاتهم، بل كان يريد إشعار الجميع بان ما يرتكب اليوم من جرائم و فظائع في ظل تواطأ سياسي و إعلامي بغيض و حقير لن يستمر إلى الأبد، بل ستنشر كل تلك التجاوزات و سيفتضح أمر الجلادين و المتسترين عليهم على حد سواء. و لسان حاله يردد ما قاله أبو الطيب:
وبمجرد خروج المناضل الجلاصي من المكتب الموجود به رشيد إدريس علق هو نفسه بتلك الطريقة ثم أودع السجن المضيق في الغرفة 15 حيث كان يوجد سجين حق عام مختل ذهنيا يلطخ جسده بالقاذورات البشرية، وكان إيداع الأخ بنية التنكيل والتشفي لكن وقع مالم يكن في حسبانهم…
(1)
في بالوعة المياه المستعملة
في أواسط شهر جويلية من سنة1995 وبعد مكائد عديدة حاكها ناظر االغرفة عدد اربعة آنذاك {و8 حاليا}المسمى ع. ل {اصيل ولاية صفاقس}حقق هدفه المثمثل في تفريق مجموعة من الشبان اصيلي االعاصمة وضواحيها، فقد كبرعليه بل غاضه أن يوجد في غرفته من لا يسبح بحمده و لايخضغ لأمره فلا يقدم له الهدايا والعمولات من غلال وطعام ووصولات، الشئ الذي قد يجرؤ بقية المساجين عليه فيخرجون عن طوعه ويفقد بذلك مزايا عديدة من ابرزها و لا شك التقرب اليه بإهدائه علب الدخان بلا حساب و تمتيعه بمختلف أنواع الأطعمة التي تجلبها وااقتناءمءمايرغب من مغازة السجن بالإضافة إلى”إهدائه ما يرغب فيه من ثياب تكون العائلات بل بأفضل ما يوجد في قفافهم من غلال وفواكه جافة ولحم وغير ذلك إشارة واحدة منه كافية لأخذها من صاحبها اتقاء لشره و طلبا للسلامة…
كبر عليه كل دلك فقرر تشتيت هذه المجموعة التي شقت عصا الطاعة فدبر المكيدة تلو المكيدة و مدير االسجن كله آذان صاغية لمقترحات هذا السجين المدللل فيتخلص في كل مرة من أحدهم بنقلته إلى غرفة أخرى و لم يبق من المجموعة غير شاب ضاقت يه الدنياـ وهي ضيقة بطبعها داخل السجن، وازدادت ضيقا بابتعاد أصدقائه عنه أبناء العاصمة عنه، والدنيا أضيق مما نتصور في تلك السنوات التي استنسر فيها البغاث و استأسدت فيه الثعالب… وتعبيرا منه عن رفضه لممالاة الإدارة لناظر الغرفة والإنتصار له، ظلما و عدوانا في كل مرة، والعمل على إرضائه رغم ما في ذلك من ظلم صراح مسلط على بقية المساجين، قرر صاحبنا الإعتداء على ذاته بقطع بعض شرايينه عساه يظفر بمقابلة المدير لشرح كل الملابسات و كل المكائد و كل المظالم التي يقترفها ناظر الغرفة و ابتزازه للمساجين، و كانت مقابلة المدير في ذلك العهد، وفي ذلك السجن بالذات أبعد عن الراغب فيها من السهى رغم تنصيص الأمر عدد1876 لسنة1988 في فصله 24 على أنه على المدير أن يقابل الراغب في ذلك في ظرف 24 ساعة من تقديم مطلبه، لكن ذلك كان ككل الأمر المذكور و كل الحقوق حبرا على ورق…و مع ذلك لم يظفر صاحبنا بمقابلة المدير..لكنه أودع السجن المضيق…وفي السيلون لايزال المسكين يحدث نفسه بمقابلة المدير عساه ينصفه وكأن المدير لا يعلم ما يحدث، فقرر الدخول في إضراب عن الطعام ـ و يا ليته ما فعل…فبعد أن عبر عما عزم عليه للمسؤول عن الجناح وبعد منتصف النهار بقليل يقدم كردوس من الأعوان و بقيادة نائب المدير عبدالرحمان و تحت الإشراف المباشر للمدير نفسه فيقتحمون السيلون عليه (عدد3) و ينهالون عليه رفسا ودهسا ثم يستعينون بمفتاحين وقع إدخالهما عنوة في فمه ليصبوا كمية من الحليب…ويخرج ذلك الكردوس من الأعوان الأشاوس منتصرا مظفرا ويبلغ المدير الذي كان واقفا في ساحة الفسحة بالإنجاز الحضاري العظيم الذي تم في عهده السعيد… و مازال السجين المسكين يأمل في مقابلة المدير، و إذا به يعلن من الغد(الأحد) استئنافه الإضراب فيمهل إلى يوم الإثين وبعد زوال ذلك اليوم تعد العدة لاكتشاف جديد، حبا السيد المدير أعوانه بشرب نخبه….ويقع استقدام السجين مقيد اليدين إلى ” السقيفة” التي تتوسط الجناحين (العملة و الكراكة ) وهناك يرفع غطاء بالوعة المياه المستعملة و تصدر الأوامر العلية إلى كل من عبداالحميد و عبدالمجيد بإنزال السجين (تدلية) في تلك البالوعة إلى أن تبلغ المياه المستعملة بقاذوراتها مستوى العنق… والسيد المدير مزهو بهذا النصر الجديد الذي حققه، وبعد ذلك تقع إعادة السجين إلى ” السيلون” وقد شوهد وهو داخل و القاذورات الآدمية ملتصقة بزيه الأزرق ويترك على تلك الحالة مقيد اليدين…و الروائح الكريهة ملأت علينا دنيانا في قيظ جويلية/ تموز، ومع الرابعة إلا ربع يقدم شناب وفي يده كسوة زرقاء أخرى و يفتح ” السيلون الثالث” ويطلب من السجين بعد فك قيده نزع المتسخة و وضعها في زاوية ساحة الفسحة… و يأتي دورنا للخروج إلى الفسحة المسائية و نلاحظ الكسوة و قد علتها القاذورات و نتجاهل ما حدث و يسأله أحدنا عن سر الكسوة فيجيب: أحد االمعاقبين «يكركر فيها علينا”٭…..
ملاحظة:
1) سجيننا هذا يدعى: ش. ز. شهر: ش. ش. من:ب. خ..
2) اعترافا من الإدارة بكفاءة هذا المدير و بجليل الخدمات التي اسداها قدمته في عيد الأمن الوطني في أفريل1996 ليقع توسيمه من قبل سيادة رئيس الجمهورية بل ليعلق له شارة الإرتقاء من رتبة ملازم أول إلى رتبة نقيب.
———
(1) يقول الفصل المذكور:” تقدم الشكايات و المطالب المتعلقة بمقابلة مدير السجن عن طريق المكلف بالجناح الموجود به السجين.
و على مدير السجن الاستجابة لطلب المقابلة في اجل لا يتجاوز 24 ساعة و كذلك بالنسبة لإحالة التشكيات إلى السلط القضائية و الإدارية كل حسب اختصاصه.”
(2) اعترافا من الإدارة بكفاءة هذا المدير و بجليل الخدمات التي اسداها قدمته في عيد الأمن الوطني في أفريل1996 ليقع توسيمه من قبل سيادة رئيس الجمهورية بل ليعلق له شارة الإرتقاء من رتبة ملازم أول إلى رتبة نقيب.
٭ ” يكركر فيها علينا” تعني انٌه يتظاهر بفقدان العقل تملٌصا من المؤاخذة و العقاب
و ما أدراك ما رجيم!
في قلب الصحراء، وفي الجنوب الغربي من مدينة دوز ب120 كلم يوجد معتقل رجيم معتوق بمناخه الصحراوي الحارق نهارا الزمهريري القارس ليلا، معتقل، ارتأى أولو الشأن في البلاد أن يبنى بالألواح القصديرية التي لا تقي من برد الشتاء و لا حرارة الصيف بل الحق نقول إن ذهبنا إلى أنها تلعب دور العامل المساعد على مزيد رفع درجات الحرارة أو مزيد انخفاضها حسب الفصول و ساعات الليل والنهار..و لم يفت الإدارة أن تجهز مساكن أعوانها و المكاتب الإدارية إما بمكيفات الهواء أو بتركيب مواد عازلة لكن غرف المساجين بقيت على حالها تربية و إصلاحا للمقيمين بها.
هذا ا المعتقل افتتح أواخر سنة 1992 وتداول عليه كثير من المديرين، أولهم السيد الأمين مجدي، و في العموم كان سجناؤه من ذوي الأحكام القصيرة، كما نقل إليه بعض المساجين السياسيين ( أو ذوي الصبغة الخاصة كما يحلو للإدارة أن تسميهم ) في إطار إجراءات تأديبية أو إثر تحركات جماعية( مثلا إضراب 1998 ) و لعل أول السياسيين الذين نقلوا إليه هو الشاب سليم أوفنسو أصيل مدينة بنزرت و المحكوم عليه بستة أشهر فقط، واختلفت مدة إقامة هؤلاء من بضعة أيام إلى بضعة أشهر، ولعلي قضيت به أطول مدة قضاها سجين سياسي به( 5 أشهر و 3 أيام ).
و نظرا لانقطاع هذا المعتقل عن مواطن العمران و انعدام وسائل النٌقل العمومي الرٌابطة بينه و بين أقرب القرى إليه ( 70 كلم ) فإنٌ زيارات العائلات إلى أبنائها المودعين به كانت قليلة جدٌا…و قد يكون ذلك وراء التفنٌن في أنواع العقوبات المسلطة على المساجين هناك. و من غريب العقوبات التي سنٌها الملازم أوٌل م.ح. ( آخر 1994 – 1996 ) قضاء السٌجين فترات مختلفة الطٌول جاثيا على ركبتيه العاريتين، على رمال الصٌحراء الحارقة، رافعا يديه، وسط ساحة الفسحة، و هذا المشهد كثيرا ما يتكرٌر خصوصا في ساعات القيلولة…لكن العقوبة الغريبة حقٌا تتمثٌل، زيادة على ما ذكر، في حلق شعر رأسه و لحيته و شاربيه و حاجبيه. و قد رأيت شخصيٌا من فُعِل به ذلك في ربيع 1995 و إن كنت لا أعلم هويٌته يقينا، فمن الممكن الوصول إليه، وقد أخبرت بأنٌ شابٌا آخر فعِل به مثل ذلك وهو أصيل حيٌ الزٌهور الرٌابع و يدعى ك.ي.، وكان ذلك في بداية صيف 1996 .. و إن كنت في الحالتين لا أعلم ماذا اقترفا ليفعل بهما ما ذكِر…
و باشر العون رشيد أصيل جدليان(الڤصرين) مع آخرين تنفيذ العقوبة المذكورة بعد تعنيفه، تحت الإشراف المباشر للمدير الذي تكفٌل بنفسه بتغطيس رأس السٌجين في ماء الجير، و عندما رأى بعض الأعوان صرف بقية المساجين عن مشاهدة هذا الحدث أمر المدير بتركهم ليعلموا ما ينتظر من تسوٌل له نفسه فعل ما فعل هذا السٌجين، ويدعى ف.ن. شهر م. وهو أصيل مطماطة لكنٌه مستقرٌ بمارث، وعند قدوم المدير ليلا لتفقٌد حالة السٌجين اشتكى هذا الأخير من التهاب بعينيه فنصحه بغسلهما بالصٌابون الأخضر…
و نضيف هنا عقوبة أخرى أبدعها الفكر الخلٌاق للمدير المذكور و تتمثٌل في غمس سجين في برميل ماء جير لاختلاسه حبٌات زيتون مصبٌر من المطبخ، و عند عودته إلى غرفته وقع التفطٌن إلى ما اقترف، و من المفيد هنا ذكر عقوبات أخرى سلٌطت عليٌ شخصيٌا و على آخرين، و منها:

٭ حرماني من الخروج إلى ساحة الفسحة طيلة المدٌة التي قضٌيتها في رجيم معتوق ( 5 أشهر و 3 أيٌام ) و قد سلٌط هذه العقوبة على سجينين سياسيين آخرين نقلا معي في نفس اليوم إلى رجيم معتوق، وهما: ن.خ. من الكبٌاريٌة و ش. من أكٌودة، لكنٌهما لم يمكثا طويلا هناك.
٭ تحديد خمس دقائق فقط لأقوم بقضاء حاجتي البشريٌة وغسل ثيابي و أواني الأكل و غيرها لأنٌي مقيم ب”غرفة” ليس بها ماء ولا دورة مياه ، و الأغرب من ذلك أن يتٌخذ هذا ( الإجراء / التحديد) إثر زيارة مسؤول من الإدارة العامٌة و تظلٌمي لديه من حرماني من الخروج إلى الفسحة و من ظروف إقامتي. و كانت هذه الزٌيارة في أواسط شهر فيفري/ فبراير 1995.
———-
- ورد في الفصل 14 من الأمر 1876المؤرخ في 04-11- 1988 ما يلي:”للسجين الحق في 1)…2)….3)……16) الخروج إلى الفسحة اليومية بما لا يقل عن ساعة…”
كما ورد في الفصل 15 من الأمر 1876المؤرخ في 04-11- 1988 ما يلي:”يجب على السجين:1)…2)…3)…….5) عدم الامتناع عن الخروج إلى الفسحة اليومية…6)….12)…”
و قد يكون المدير “اتكأ” على الفصل 38 من نفس الأم إذ يقول:” يتعين على السجين الخروج مرتين إلى الفسحة في صبيحة و مساء كل يوم و تضبط مدة الفسحة من طرف مدير السجن و تراعى فيها ظروف كل سجن على حدة.”
2
- ورد في الفصل 14 من الأمر 1876المؤرخ في 04-11- 1988 ما يلي:”للسجين الحق في 1)…2)….3)……16) الخروج إلى الفسحة اليومية بما لا يقل عن ساعة…”
- انظر الفصل 10 و 16 من الأمر المذكور حيث وقع التنصيص على ضرورة توفر المرافق الصحية و التجهيزات الأساسية حتى في غرف المعاقبين.
- كان ذلك صبيحة يوم الأربعاء 15 أو 22 فيفري / فبراير 1995.










