You are currently browsing the category archive for the 'جولات في السجون التونسية' category.
“…و لا غرو فإذا ما كانت مصائر شعب بأكمله في مهب الرياح، أصبحت المصائر الفردية لا شان لها…و لعمري إنني إذا ذكرت كل المستشهدين من إخواني لا أجد لي من موجب للتذمر و الشكوى.
هذا و انه ليسعدني، على الرغم من القضبان الحديدية و المرض أن أتتبع كفاحكم وكفاح كل المقهورين على وجه الأرض.
فانا على غرار الشاعر الوار ELUARD “
“لم احلم في ليلي بغير زرقة السماء”
لبلادي و لإفريقيا و للعالم الثالث..”
احمد طالب الابراهيمي: رسائل من السجن
صفحة:200
تقديم: ريني حبشي- تعريب: الصادق مازيغ
طبعة سنة: 1969
الدار التونسية للنشر
الجولة:الثانية عشرة
- في اتجاه مدينة الاغالبة -
من 03-12- 95 إلي 11-12- 95
تمكنت من التعرف علي و جهتي المقبلة في حين غفلة منهم. انه سجن القيروان أو سجن سيدي احمد كما يسميه أبناء القيروان. انه سجن سيء السمعة ومديره آنذاك ( نصيب الفارحي) رغم انه من الذين ارتقوا السلم الوظيفي رتبة رتبة ودرجة درجة فانه قد ابتكر نوعا من العقوبات الجماعية التي تستحق أن تحفظ في سجله و تخلد ضمن مآثره…
سجن القيروان ذو الاكتظاظ المذهل حيث يتقاسم كل سجينين فراشا ينامان عليه1 رغم كون الكثيرين يفترشون الأرض بل هناك من المساجين من قضى الليالي العديدة جالسا على سطل كما اضطر البعض الأخر للتداول على الأسرة بالليل والنهار فيقضون الليل جلوسا هنا أو هناك ليناموا في النهار…سجن القيروان هذا سيكون محطٌتي المقبلة!!
سجن القيروان المعروف بكثرة أوساخه وانتشار الأمراض الجلدية من جرب و’بوفراش’2…سجن القيروان هذا كانت تبلغنا أخباره عن طريق المساجين أصيلي القيروان المدينة وولايتها الذين تصدر في شانهم أحكام نهائية فينقلون إثرها إلى سجن الهوارب…ولم اسمع قط طيلة إقامتي في سجن الهوارب من ذكر هذا السجن بخير أو اثني على مديره أو مسؤوليه..
في هذا السجن وقع منع غسل الثياب3….وإذا علمنا إن هذا السجن هو سجن إيقاف، وان نزلاءه في الأغلب من أصيلي ولاية القيروان، الذين تزورهم عائلاتهم بصفة منتظمة، إن لم تكن أسبوعية فهي نصف شهرية، إلا القليل القليل منهم، وبالتالي فإنهم يستطيعون الاستغناء عن غسل ثيابهم داخل السجن لتقوم بذلك عائلاتهم، أما سجناء الصبغة الخاصة، يعني المساجين السياسيين، الذين تفصلهم مئات الأميال عن ذويهم، فهؤلاء- حصرا- هم الذين يحتاجون إلى غسل ثيابهم في السجن وبالتالي هم المعنيون بهذه العقوبة دون غيرهم.
“هذا السجن سيكون وجهتك القادمة, فهل سترضى بالإقامة فيه والظروف على ما تعلم؟…. و العائلة التي لم تكد تعثر عليك ستفقد أثرك من جديد…. ثم في أي دركة من دركات العزلة ستكون؟…” كانت جملة من التساؤلات تخامرني طيلة الطريق الفاصلة بين السجنين…
مع منتصف النهار كنت بسجن القيروان وأمام الزنزانتين الانفراد تين الوحيدتين آنذاك…و باشر عملية التفتيش نائب المدير نفسه ( الأزهر) وابرز من المهارة الشيء الكثير إذ كان مزودا بموسى صغيرة الحجم لقطع كل ما يعتبره مشبوها ليطلع على خفاياه…ولكن مجهوداته باءت بالفشل الذريع…إذ لم يعثر على أي شيء كان يؤمله، و لم يغفل عن وضع ما حرمه مديره جانبا، إذ افرغ سطلا اصفر مما فيه وألقاه في الرواق المؤدي إلى المطبخ مثلما فعل بعد ذلك ب”البانو”، وعندما أكمل تفتيشه طلب مني الدخول في “داموس” مظلم، فسألته متجاهلا أمره و متظاهرا بانشغالي بجمع أمتعتي:”أين ستكون إقامتي؟ “
فأجاب:” في هذه الغرفة ” وأشار إلى الداموس…كانت غرفة لا تتجاوز مساحتها خمسة أمتار مريعة وكانت مظلمة بحيث لا تستطيع تبين ملامح من يوجد في قعرها, أي على بعد مترين منك…كانت مفتقرة إلى كل المرافق الصحية, واقصد الماء والنور الكهربائي4 حيث كان المصباح موضوعا خارج الغرفة ولا يصل من نوره إلى داخلها إلا بعض الأشعة الباهتة, أما التهوئة فهي منعدمة تماما وليس بها أي شباك أو نافذة، وقد تعثر على بيضة ديك رومي أو”عربي” لكنك لن تعثر على شعاع شمس يتيم في هذه الغرفة/القبر ما عشت فيها… وحدث عن الروائح المنبعثة من الكنيف ولا حرج..وتعبيرا على استعداد الإدارة لتحسين ظروف الإقامة تفضل سيادته بدعوة احد السجناء لمعالجة الكنيف و”تسريحه” و سكب كمية من الماء جلبت من المطبخ للتخفيف بعض الشيء من تلك الرائحة الكريهة وبعد جهد جهيد بدأ الماء يتسرب الهوينى متجاوزا طبقات الفضلات الآدمية المكدسة هناك منذ أمد..متجها نحو بالوعة تتوسط البهو الصغير أمام الغرفتين واتخذت القرار بالدخول في إضراب عن الطعام.
ألا يقولون : “خير البرّ عاجله” ؟
- ” إن إيوائي في مثل هذه الغرفة دون سرير و بلا ماء و لا نور كهربائي يعني شيئا واحدا لا أكثر”
- ” و ما هو؟”
- ” إن إدارة سجن القيروان اتخذت قرارا بإعدامي بالاختناق البطيء أو بالكوليرا أو بالسل”
- ” من فضلك هذا كلام تحاسب عليه أولا5 و ثانيا الإدارة العامة هي التي قررت إيواءك بالعزلة وهي على إطلاع دقيق و معرفة تفصيلية بظروف الإقامة بها و ثالثا أقام بهذه الغرفة قبلك كثيرون و لم يرفض الإقامة بها احد لذلك من الأحسن لك إن تدخل غرفتك و سأكلم المدير عنك فانه يستطيع مساعدتك”
توجهت نحو السطل و “البانو” فأخذتهما، فقال: “اتركهما هناك، اتركهما هناك”
- “أنهما لي”
- ” اعلم ذلك، لكنهما ممنوعان هنا”
- ” إذن أعلمك باني في إضراب عن الطعام مطالبا بظروف إقامة قانونية “
- ” أنت حر”6
وما كان من نائب المدير إلا أن أمر سجينا يدعى “الحبيب الفرشبشي”، ويبدو انه من ذوي الوجاهة هناك، أمره بحمل أمتعتي إلي مكان أخر عينه له, ثم قدم لي كسوة زرقاء – زى العقاب – فلبستها…وأثناء إقامتي هناك, جلبوا سجين حق عام موقوف من اجل قتل زوجته وابنته الصغيرة… أودعوه الغرفة الأخرى من اجل قضمه أذن سجين سياسي وقطع شحمتها, وأرادت الإدارة إظهار حيادها فخيرت الأخ الضحية بين تقديم قضية جزائية ضده أو التنازل عن حقه لكنها تغافلت عن ضرورة المبادرة بإسعاف المتضرر بحفظ الجزء المقطوع و الإسراع به إلى المستشفى لإعادته، تغافلت عن ذلك لان ذلك لا يهمها كثيرا بالتأكيد.
وقضيت هناك تسعة أيام مضربا, وقع تغيير مدير السجن أثناءها إذ حل بسجن سيدي احمد الملازم أول آنذاك : محمد الخضيري الهادفي…وكانت الحراسة الليلية كثيرا ما تقدم لتفقدي, وكانت تستعمل مصباحا كهربائيا يدويا للبحث عني في غياهب ذلك “الداموس” و ظلماته و لرؤيتي والتثبت في….
وفي الحادي عشر من ديسمبر, بعد منتصف النهار بقليل يعلمني نائب المدير بنقلتي إلى سجن أخر, كما يأمر السجين الذي كلفه بحمل أمتعتي يوم الدخول في الإضراب عن الطعام, كلفه ثانية بنقلها إلى السيارة المعدة لنقلي, إذ كنت عاجزا بعض الشيء عن حمل الأمتعة, وقد يكون وراء ذلك التكليف أمر آخر..إذ تبين لي بعد ذلك أني فقدت جملة من الأشياء من أبرزها غطاء صوفي أخضر اللون وعدة علب من الدخان وبعض الجوارب الجديدة…أين ذهبت ؟
لا شك أن السجين المذكور ونائب المدير يعرفان ذلك جيدا….
و تتواصل الرحلة، لكن في أي اتجاه؟
———–
1 - ورد في الفصل 10 من الأمر 1876 المؤرخ ب4-11-1988 و المتعلق بالنظام الخاص بالسجون المعمول به - نظريا – آنذاك ما يلي: “توفر الإدارة للسجين عند إيداعه السجن فراشا فرديا و ما يلزمه من غطاء….”
2 - الجرب: مرض جلدي. “بوفراش” من الأمراض الجلدية المتفشية كثيرا في السجون التونسية.
3 - و ذلك بمنع مستلزماتها إذ وقع منع الاسطل كبيرة الحجم(جمع سطل) و “البانوات” على اختلاف أحجامها (جمع بانو وهي من اللغة الدارجة التونسية و تتمثل في إناء بلاستيكي يستعمل لغسل الثياب cuve ou cuvette ).
و مع ذلك فقد ورد في الفصل14 من الأمر 1876 المؤرخ ب4-11-1988 ما يلي: “للسجين الحق في:1)….2)….3)….4) توفير مستلزمات النظافة.5)….”
أما الفصل 15 من الأمر المذكور فقد نص على ما يلي:” يجب على السجين:1)…2)………….7) القيام بتنظيف ثيابه و ما بعهدته من فراش و غطاء و المحافظة عليه.”
و تستحكم الحلقة- المعضلة في الفصل 16 من الأمر المذكور عندما يقرر ما يلي:”يتعرض إلى إحدى العقوبات التالية السجين الذي يخل بإحدى الواجبات المبينة في الفصل 15……..”
4 - ورد في الفصل 10 من الأمر المذكور- عند حصره للسببين الوحيدين الذين يخولان إيداع السجين بالعزلة و السببان لا ينطبقان بأي حال من الأحوال على كل من يقبع في ظلمتها من المساجين السياسيين- ما يلي:”…… عزله في غرفة تتوفر فيها الضروريات الأساسية و الصحية…….”
كما وردفي الفصل 16 من الأمر المذكور قوله:”وضعه في غرفة منفردة تتوفر فيها التجهيزات الأساسية والصحية….”
فهل يعتبر السيد المدير الماء و النور الكهربائي غير أساسيين وغير صحيين؟
5 - لو كنا قبل ستة اشهر ما كان هذا الحديث ليطول كل هذا الوقت و لكانت الفلقة و الهراوات السود ” شغالة” منذ الجملة الأولى.( نعني في عهد احمد الحاجي)
6 - هذه سمة المرحلة الجديدة (مرحلة المدير العام الجديد العقيد توفيق الدبابي): تستطيع الدخول في إضراب عن الطعام و إعلام الإدارة به و بمطالبك لكنها لا تأبه لكل ذلك ولا يشغلها كثيرا و بفعل هذه السياسة قضى الشهيد رضا االخميري مضربا في سجن جندوبة في صائفة1997 في آخر عهد رياض العماري على سجن جندوبة و بداية عهد أول قاض يكلف بمهمة مدير عام للسجون و الإصلاح وهو السيد عبدالستار بنور، وكذلك الشهيد عبدالوهاب بوصاع في سجن برج الرومي
وكذلك من سجناء الحق العام نذكر السجين عبدالرحمان الجهيناوي الذي قضى في سجن برج العامري ربيع2001 بإدارة عماد العجمي. و كان القاضي من الرتبة الثالثة السيد مصطفى بن جعفر مديرا عاما للسجون و الإصلاح.
يعود الحاج إذن إلى عزلته الفردية، فبالأمس غادرنا فارس إلى حيث لا ندري، و اليوم جاء دوري لأغادر سجن تونس و أتركه في غرفة 5 وحيدا كما كان قيل شهر تقريبا… ومباشرة عند مغادرة الجناح المضيق و وضع أدباشي أمام غرفة التفتيش المحاذية للسيلونات كان نائب المدير يتابع عملية التفتيش من بعيد ولكن باهتمام جلي…تمت إجراءات التفتيش، و نقلت أمتعتي إلى الرواق الذي يتوسط” بيت الدجاج” و مصلحة الأشياء المؤمنة من جهة و مصلحة العمل الجزائي و غرفة اللاسلكي من جهة أخرى، و نائب المدير ثانية يتابع الأحداث لكن عن قرب هذه المرة، ثم دعا 12 سجينا للدخول إلى ” بيت الدجاج”، وكنت أحدهم. وعبر شباك صغير يفصل بينها وبين مصلحة الأشياء المؤمنة يفع التدقيق في أمتعة السجين المؤمنة لديهم مثل النقود و المفاتيح و الساعات و غيرها من الأشياء التي يقع حجزها عند الإيداع بالسجن في اليوم الأول، و هناك تمكنٌا من التعرف على وجهتنا القادمة. كنٌا اثني عشر سجينا: ثلاث من الحق العام متجهون إلى سجن باجة و البقية سجناء سياسيون متجهون إلى كل من سجني جندوبة و الكاف…و بسرعة اتخذت قراري بالدخول في إضراب عن الطعام…ألم يكفهم أني قضيت ثمانية أشهر في ظروف لاإنسانية و تعذيب نفسي و معنوي متواصل آناء الليل و أطراف النهار…
” آه يا ابن أمٌي‼ ألم تكفك إضراباتك عن الطعام التي خضتها؟ أحققت من ورائها شيئا من طلباتك؟ أدافع عنك واحد من أولائك الغيورين على حقوق الإنسان؟ بل هل كلٌف أحدهم مشقٌة البحث للتعرٌف عن أخبارك؟؟ بل هل سمع ممٌن جاءه مستغيثا متشكٌيا من أفراد عائلتك؟ و ِلم تحصي إضراباتك و تعدها عدٌا؟ البعض يعدٌ ِحججه أو حُُججه، و آخر ثروته و عقاراته، و آخر شهائده أو شهاداته، و أنت تعدٌ أيٌام الجوع و الطوى و العذاب‼
ِلتخسأْْ أيٌها اللعين‼ آلآن تقف ناصحا مرشدا؟ ألم أقل لك مرارا وتكرارا إنٌي قد لا أحقٌق شيئا من مطالبي بل قد تزداد ظروف إقامتي سوءا ولن يدافع عنٌي حقوقي واحد سواء كان نزيها أو انتهازيا مرتزقا بل قد لا يسمع بي أيٌ منهما و مع ذلك فلن يمرٌروا سياساتهم و تراتيبهم دون مقاومة و دون معارضة و دون رفض، حسبي من الجهاد و من النٌضال الآن أن أقول “لا”، أقولها بلساني و بجوارحي وليس بقلبي فقط، أليست هي من أفضل الجهاد عند مستبدٌي هذا الزٌمان و سلاطينه و بيادقهم؟ ألم يطلق علينا المستعمرون- سحريٌة و استهجانا- كلمة ” بني ويوي” للخضوع و الخنوع في مقاومة استبداد الملوك و التصدٌي لفسادهم و جهلهم بل للرٌكون إليهم و موافقتهم على ظلمهم و جورهم و شهواتهم ، آه لو علموا أن كلمة” لا”هي المفتاح الأول للدٌخول في هذا الدين..
فلتخسأ أيٌها اللعين…”
و أعلمت من معي بما عزمت عليه عسى ذلك يكون مفيدا…
غادرنا ” بيت الدٌجاج” بعد تقييد أيدينا أزواجا و أمرنا بالالتحاق بالسٌيٌارة الرٌابضة بموقف السٌيٌارات، وجدنا أمتعتنا مكدٌسة وسطها، و طلب منٌا عون جلوس سجناء الحقٌ العامٌ قرب الباب، أخذنا أماكننا بصعوبة كبيرة، زاد فيها الغل المقيٌد للحركة من جهة وضيق المكان من جهة أخرى.
وصلنا باجة و نزل سجناء الحقٌ العامٌ أمام السٌجن وسط تعزيزات أمنيٌة تناسب المكان، و واصلنا رحلتنا و تمكٌنٌا حينها من تعارف أكبر، كان أحدهم من الضاحية الشمالية و آخر من أريانة و البقية من ولاية نابل على ما أذكر لآن…و لا أدري أكان من المؤسف أم من المفرح أن يتعرٌف على هؤلاء الفتية، فمن بينهم من يعود إلى السٌجن للمرٌة الثٌانية، و منهم من كان تلميذا فقضٌى عقوبته ثمٌ واصل تعليمه و نجح في مناظرة االبكالوريا، و كان من المتفوقين، ولم تثنه المحنة الأولى على مواصلة جهاده، غير مكترث بالمخالب الحادة و الأنياب المكشر عنها المتأهبة للانقضاض على كل من يغادر قطيع المسبحين بحمد الاستبداد والقهر أو ينسحب من سرب المتواطئين مع الجور و الطغيان بالصمت و اللامبالاة، ناشدين السلامة منتظرين مرور العاصفة، و قد زين لهم رصين حكمتهم وعميق وعيهم و دقيق فهمهم و ثاقب نظرهم و واسع إطلاعهم ضرورة مسايرة التيار السائد، بل الانخراط فيه وتأييد اطروحاته والتصفيق لها و دعمها، بل العمل على التبشير بها و الدعوة إليها، طمعا في شيء من الفتات و الدريهمات و حيز من نور الشمس وامتداد شعبي لم تسعفهم امكانات الفكر و العلم و المنطق والرؤية و الساعد و الموقف على اكتسابها بالكد و العمل ، فاستبدلوا مبادئ بمبادئ و شعارات بأخرى و عهود و مواثيق بانتهازية خسيسة لا خلق لها و لا خلاق، عساهم يحظون بكلمة رضا أو ابتسامة من فريد قرنه و وحيد عصره و نابغة زمانه… لم يثنه كل ذلك فبقي منتظرا غير مبدل و لا مغير قائما على ثغر من الثغور، فيعود إلى السجن من اجل نشاط اجتماعي بادر إليه مع ثلة من إخوانه لمساعدة عائلات بعض المساجين…
وصلنا جندوبة، أنزلنا أمتعتنا، و فوجئت بفقدان حقيبة لي برتقالية اللون تحتوي كل ملابسي الصيفية و البعض من الثياب الصوفية و غيرها، كما فقد ابن الضاحية الشمالية سلة مؤونة لها نفس لون سلتي… و تأكدنا من فقدان هذه الأمتعة بإنزال كل ما يوجد في السيارة من سلال و حقائب و غيرها، لكن دون جدوى… و عندها داخلني ريب، سرعان ما تحول إلى يقين…عمليا يستحيل على السجناء المكلفين بنقل الأمتعة من الرواق إلى السيارة أن يذهبوا بها إلى أي مكان آخر دون تواطؤ من مسؤول إداري ذي مركز مرموق لان إرجاعها إلى السجن يتطلب فتح الباب الفاصل بين الرواق و الساحة الداخلية للسجن، و لا يمكن أن يفعل ذلك إلا العون المنوط بعهدته هذا العمل… و أدركت وقتها الهدف من متابعة مساعد المدير(ب ك) لعملية التفتيش الأولى ثم تواجده بالرواق و تكفله بالمناداة على المساجين الذين نقلت معهم لوضع أمتعتهم في الرواق و أمره إياهم بالدخول في “بيت الدجاج” و غلق الباب عليهم إلى أن تمت نقلة الأمتعة إلى السيارة و تكديسها وسطها بعد سحب ما رأى سحبه منها، لكنه أن افلح في تحديد الحقيبة البرتقالية فانه أخطأ في تحديد سلة المؤونة لوجود سلتين لهما نفس اللون… و قد يستغرب القارئ مثل هذا التصرف، لكن قديما قيل:” الشيء من مأتاه لا يستغرب” لذلك كل من عرف مساعد المدير هذا عن قرب فلن يستغرب إتيانه أي غريبة أو مكيدة أو بشاعة أو تجاوز مهما بلغت فظاعته…
كنت اتخذت قراري بالدخول في إضراب عن الطعام و زادتني هذه “السرقة” إصرارا على المضي فيه، و زعم مساعد المدير في سجن جندوبة انه اتصل بسجن تونس للبحث عن المفقودات، لكن دون جدوى…و باشرت الإضراب دون اكتراث من إدارة السجن و من الإدارة العامة كذلك . و وجهت إليها كتابا مشيرا بإصبع الاتهام إلى مساعد المدير بوصفه المسؤول عن القوافل و المشرف يومها عليها…
و للمرة الثانية أجد سجينا سياسيا في السيلون، لكن هذه المرة كمقيم…انه توفيق ث. أصيل ضواحي قابس، و كان عاملا بالمجمع الكيميائي بها… و إن لم يحصل له شرف المثول أمام القضاء في محاكمات قابس الشهيرة وقاضيها الذي ذاع صيته بعدها و الذي تفضل بتوزيع أكثر من ألف من السنين على شباب قابس… فانه حصل على شرف السبق و المبادرة مع البعض من إخوانه إلى Read the rest of this entry »
بسم الله الرحمان الرحيم
“إن الإيداع بالمرء في السجن لهو منبع المرارة و الحسرة، لكنها مرارة، إن وجدت، فهي منحصرة في حدودي الشخصية الضيقة. ففي أحلك الأيام ما انطفأت قط في مهجتي أشعة الأمل في غد أحسن و عيش افضل لشعبنا… و هنا ندرك إننا نعيش فترة من تاريخ وطننا لم يعد فيها من شان لمصير الأفراد. ذلك إن مصير امة بأكملها قد أصبح ألعوبة للحظ وهدفا للأخطار. فالشأن يدعو إلى تخليص الأهم من أيدي الكارثة. الأمر الذي لا يمكن معه أن ندخر وسعنا و نخلد إلى الراحة”
احمد طالب الإبراهيمي : رسائل من السجن
صفحة:39
تقديم:ريني حبشي- تعريب: الصادق مازيغ
طبعة سنة:1969
الدار التونسية للنشر
الجولة: السادسة عشرة
26-05-1997 / 29-05-1997
اليوم الرابع و العشرين من شهر ماي / أيار كان يوم سبت و كنت أهيئ نفسي للخروج إلى الفسحة عندما دعاني هشام, العون المنضبط أكثر من اللزوم, دعاني للاستعداد للزيارة… في قاعة الزيارة, وجدت الوالدة الحنون و الزوجة البارة… بعد تبادل التحيات و السٌلام و التعرٌف على أحوال العائلة و الأقارب… أعلمتني الزوجة أنها قد تعود مع الوالدة لزيارتي الأسبوع القادم…و يا ليتها لم تنبس ببنت شفة في هذا الموضوع…فاقترحت عليها-عبثا- أن تتأكد من بقائي في سجن جندوبة لدى الإدارة العامة…فهل كان بامكانها أن تحصل من الإدارة على معلومة تفيدها فتدخر وقتا و جهدا و مالا 1… بل ألم تكن هناك جملة من الإجراءات لا هدف من وراءها إلا إهدار الوقت و الجهد و المال الذي يؤدي بدوره إلى جملة من الماسي كان السعي حثيثا لتحقيقها 2…
ألم أمكث تسعة أشهر ثانية في سحن جندوبة بحيث أصبحت نقلتي منه واردة في كل حين… و استودع بعضنا بعضا من لا تضيع ودائعه…
من الغد دخل السٌجناء السٌياسيون في سجن جندوبة مرحلة أخرى في التصدٌي لتعليمات الإدارة المباشرة السٌاعية إلى تعطيل الشٌعائر الدٌينية و مقاومة كل مظاهر التٌدٌين ولو كانت بسيطة و للذكر في مثل هذا الوقت من السنة الماضية شنٌت الإدارة العامٌة حربا ضروسا في مختلف السٌجون قصد تعطيل أداء صلاة الصٌبح في وقتها و تصٌدى لها السٌجناء بما يملكون من الوسائل البسيطة فخاض البعض اضرابات جوع و أقدم البعض الأخر على تناول مواد التنظيف المختلفة…ممٌا أجبر الإدارة على الٌتراجع على مشروعها في خاتمة المطاف… و هاهي الإدارة بعد عام تقريبا تحاول أن تتصدٌى لسعي السٌجناء إلى إقامة الصٌلاة أزواجا مثل بعض السٌجون الأخرى… فصلاة الجماعة نعم صلاة الجماعة وليس صلاة الجمعة فقط كانت ممنوعة منذ سنة 1992 في مختلف السٌجون… وجد نائب المدير نفسه في مأزق في اتٌخاذ القرار الذي يرضي مديره إذ كان هذا الأخير غير متواجد بالسٌجن في نهاية الأسبوع… لذلك فضٌل النائب عدم اتخاذ قرار في انتظار عودة رئيسه إلى السٌجن فلم يودع أيٌا من السٌجناء المتمرٌدين بالسيلون.
وجد المدير نفسه, يوم الاثنين, أمام إرادة هؤلاء المساجين الحازمة على تأدية مختلف الصلوات المفروضة أزواجا على الأقل, و هم الذين كانوا قبل عام يدفعون من أجسادهم و دمائهم من أجل تأدية صلاة الصبح في وقتها…الفى المدير نفسه في مأزق حاد، فالمساجين في مختلف الغرف حريصون على تحقيق مطلبهم…فهل تراه يزجٌ بهم في السجن المضيٌق فيمكٌنهم من التنسيق فيما بينهم وهو الذي كان قد اتخذ كلٌ ما يمكنه من الإجراءات لعزل سجناء كل غرفة عن سجناء الأخرى.. كما أن ليس لديه العدد الكافي من الغرف الانفرادية لإيوائهم، إذ أنه خصص غرفتين من جملة ثلاث للعزلة… وما العمل مع الذي سعى طويلا إلى عزله عن كافة المساجين و رغم إضرابه الطويل و الأيمان المغلٌظة التي أقسم بها تمويها ليفك الإضراب..ثم حنث.. أتسقط كل مساعيه فجأة… ما العمل مع هؤلاء المتنطعين… قرر على العجل نقلته إلى وجهة أخرى وقام بالإجراءات من أجل ذلك..
و تقع دعوتي إلى الخروج من السيلون في القيلولة… و بعد قليل يلتحق بي بعض المساجين محملين بأمتعتي التي فتشت بغيابي و يضعونها قرب الباب الرئيسي وها أنا أنقلها من جديد.. دون أن أودٌع رفاق الدرب الطويل…تركت هناك ( م ش) الذي سعى بمكره الجميل للبقاء في العزلة لإيناس وحشتي.. ها أنا أتركه لكنه على كل حال لم يبق إلا بضع أسابيع عن انتهاء مدة العقاب المحكوم بها عليه..
بعد ما يقارب ثلاثة ساعات أو أكثر بقليل…كنا في سجن الهوارب و عند تفتيش أمتعتي فوجئت بإفساد كثير منها نكاية وشماتة مثل تعمد ثقب كثيرا من قوارير الحليب، و ثقب أنبوب معجون حلاقة و أنبوب معجون أسنان، وتلطيخ بعض الثياب بالزيت، و فقدان بعض الأمتعة الأخرى، و رغم لقت انتباه نائب مدير السجن عبد الرحمان لهذه التصرفات و مكاتبي الإدارة العامة متظلما من هذه التجاوزات مستشهدا بمعاينة نائب المدير بالهوارب.. و لم يكن لكل ذلك أي صدى… وانتهى التفتيش..
سبحان مغير الأحوال ااا هذا المكلف بالعمل الاجتماعي يستقبلني بأدب غير معهود ويسألني إن كنت أرغب في تبليغ عائلتي خبر نقلتي…
” كيف لا ؟ و الوالدة والزوجة قد يزورانني يوم السبت القادم 31 ماي/أيار و لا علم لهما بنقلتي..” رحبت بالفكرة وأعطيته عنوان إقامة عائلتي بالعاصمة، و لم أكلف نفسي مشقة الإلحاح عليهم على إعلام العائلة ظنا مني بأنه إن تم و لو برسالة عادية قان أربعة أيام كافية لبلوغ الخبر إليهم..
هل تغيرت الأوضاع إلى هذه الدرجة بسجن الهوارب حيث كنت قبل سنتين، و حيث منعت - خبثا- من مراسلة عائلتي، بل بوالدتي العجوز بالذات، لكونها زارتني لأول مرة يوم اثنين (الموافق 16-10-1995) و لا يوافق عندهم و حسب التراتيب التي أبدعوها يوم الزيارة فقضت ليلتها في العراء…نعم في العراء، لم تلتحف ليلتها السماء و لم تهتد بنور النجوم و لم يؤنس غربتها صوت الصراصير ولا تعيق اليوم فالسماء قد غشتها السحب فغابت نجومها و الريح تعوي بين الجبال مولولة فيجيبها الرٌعد مزمجرا غاضبا من فعل البشر بالبشر و يومض البرق مؤذنا بأن الظلم ظلمات لكنه زاهق لا محالة… وينزل من السماء ماء رذاذ ليزيد الطاهرين و الطاهرات طهرا..
من العجب العجاب أن تصبح مصلحة العمل الاجتماعي في سجن الهوا رب بالذات هي التي تبادر إلى استشارة السجين حول مدى رغبته في تبليغ عائلته خبر نقلته…
يقع إيوائي بالسيلون عدد 2.. و لم يكد المقيمون هناك يطمئنون إلى خلاء المكان من غير المرغوب فيهم, حتى يأخذ كل مكانه المناسب… في الزنزانة 4 حيث كنت قبل سنتين يوجد معتوق و سمير, في الزنزانة الخامسة يوجد على, و في الثامنة يوجد المرحوم عبد القادر رحومة وهو من سجناء الحق العامٌ… تبادلنا ما عندنا من أخبار … و كانت فرصة ليعلم بعضنا بعضا أخبار عائلاتنا و أطفالنا…و البعض من إخواني هنا لم ألقه منذ يوم صدور الأحكام…
كانت إدارة الهوارب وقتها تحت إشراف ذلك الذي كان يسجن صفاقس و ذاع صيته بدءا بعدائه الشٌديد للمصحف حيث منعه متعا باتا و حجز مصاحف القادمين من سجون أخرى إلى سجنه – صفاقس – ولم يكتف بذلك, بل سٌلط أشدٌ العقوبات على من يقبض عليه متلبسا بحفظ آيات من القران كان كتبها على ورقة علبة دخان أو غيرها ثم اشتهر ثانية بتحديده المفرط لمحتويات القفة التي تجلبها العائلة حيث كان يعمد إلى تمكين السٌجين من ربعها بل خمسها أو أقل و إلقاء البقية في سلة الفضلات أو يمكٌن منه بعض وجهاء المساجين لديه – أي الوشاة و الذين لا خلاق لهم…
ثم كان مسك الختام تورطه في مقتل سجين اعتدى عليه بالعنف الشديد الناجم عنه الموت، و على إثرها تم تكليف لجنة التحقيق و للتقصي برئاسة زكريا بن مصطفي أسفرت عن تحميل المسؤولية سجينا من الحق العام ؟ و لمساعد المدير بدرجة أقل … و تم عزل المدير العام أحمد الحاجي غير المأسوف عليه..
و قد يكون للمحاكمة التي تمت له كمدير لسجن صفا قس و مثل فيها مع نائبه بعض الأثر عليه، إذ رفع يده عن المساجين و تخلى عن بعض مضايقاته كما حدٌ من تصرٌف أعوانه بعض الشيء… و قد يكون فعل ذلك مكرها بسبب وجود مدير عام جديد سعى جاهدا لإيقاف بعض المهازل و ما أكثرها أو وصول مدير عام من سلك القضاء…و قد يكون لا هذا و لا ذاك و إنما نتيجة لذلك المرض العضال الذي هد كيانه…

كما كانت الإدارة في مختلف مستوياتها في انتظار سياسات المدير العام الجديد الذي كلٌف بهذه المهمٌة قبل ما يقارب نصف شهر… و قد اتسمت هذه الفترة بالترٌقب و الانتظار و التردٌد, فالمدير العام الجديد قاض… و لا شكٌ إن تكليف قاض لأوٌل مرٌة على رأس الإدارة العامٌة كان يثير عدٌة تساؤلات لدى المساجين بصنفيهم و لدى ضبٌاط الإدارة و أعوانها على حدٌ سواء…فمنذ عقود كانت أحزاب المعارضة المعترف بها و غير المعترف بها تطالب بإلحاق إدارة السجون بوزارة العدل و تكليف قاض على رأسها كتعبير عن إرادة حقيقية للإصلاح, وهما منها بأن مثل هذه الإجراءات كفيل بإصلاح ما أفسده المتفرٌدون بالحكم في مختلف عهودهم… رغم علمها بأن أي إصلاح لا بد أن يكون صادرا عن قناعة تامٌة بجدواه و ليس نتيجة ضغوط إقليمية أو استجابة لمقتضيات عهود و مواثيق لم تقع المصادقة عليها إلا تباهيا و دعاية وتمويها بل مغالطة..
و نظرا لكٌل ذلك كانت الإقامة بالجناح المضٌيق هنا مريحة نوعا ما بالمقارنة بالأجنحة المضيقة في سجون أخرى, فالمقيمون هنا و أن أودعوا غرفا انفرادية منعدمة التهوئة, فإنهم بمجرٌد ما ينتهي التوقيت الإداري حتى يتبادلوا الحديث و الأخبار و النقاش… و زاد تواجد بعض مساجين الحق العام المقيمين هناك الأمر يسرا…
وكنت أمنٌي النفس بقضاء بضع اشهر هناك لتخفيف عبء العزلة القاتلة و الاستفزازات المتواصلة و استفراد الإدارة بي في سجون أخرى, لكن مع ظهيرة اليوم الرابع تقع دعوتي من جديد إلى جمع أمتعتي و الاستعداد للرٌحيل… إنه يوم الخميس التاسع و العشرين من ماي / أيار 1997.
——
1 - ورد في اللفصل76 من الأمر عدد 1876:”يتعين على إدارة السجن إعلام عائلة السجين بمجرد إيداعه حسب إمكانيات السجن…”
لكن مع ذلك و رغم صراحة الفصل و وضوحه فان الإدارة لم تكن تكلف نفسها حتى مجرد إيصال الرسائل إلى مكاتب البريد. بل كانت تعاقب من تسمح له نفسه تكليف عائلته تبليغ عائلة أخرى وجود ابنها في سجن كذا أو نقلته منه.
2- في صائفة1993 و اثر خروج صهري من السجن بادر المسكين بمرافقة أخته- زوجتي- مع بعض الأبناء لزيارتي في سجن المهدية، وكان ذلك -يوم السبت 17-07-1993 بعد أن وقعت نقلتي إلى سجن العاصمة يوم الأحد- 04-07-1993 و عندما سألهم عن السجن الذي نقلت إليه رفضوا إرشاده…و يا ليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل أصبح منذ ذلك التاريخ مطالبا بالحضور ثلاث مرات يوميا لدى مصلحتين أمنيتين مختلفتين( منهما مرتان في مركز يبعد عن مقر إقامته 15 كيلومترا و المركز الآخر يبعد كيلومترين فقط)، علما بأنه لم يصدر في شانه حكم قضائي بالمراقبة الإدارية.
” و انه ليتملكني مزيد الألم لمجرد تذكري جهاز السجون البشع
المكون من آلة عمياء عديمة الحساسية، مجموعة متشابكة من
الدواليب و الأرقام، ومن التناقض المدهش أن يوفق المرء في هذا
الجو الحالك إلى التعرف مباشرة على طائفة من الحقائق، ففي هذا العالم
من الأنفاق و الدهاليز المظلمة قد يبلغ الوعي مبلغه فيكتنه معناه
الإنساني في أعمق أبعاده”
احمد طالب الإبراهيمي:رسائل من السجن
صفحة:41-42
تقديم:ريني حبشي- تعريب الصادق مازيغ
طبعة سنة:1969
الدار التونسية للنشر
الجولة الحادية عشرة
11-06-1995 / 02-12-1995
منذ حين أنهوا إجراءات تٌفتيش الأمتعة، اقترب أحدهم في غفلة من زميليه و همس׃ ” كنت أود أن أقيد يديك إلى الأمام و لكنٌك تعلم جيٌدا أن الصغيرة قبل الكبيرة تبلغ إلى مراد و هذا يوسف عينه الأمينة و الوفية معنا اليوم وإن فعلت ذلك فسأتهم بالتٌعاطف معك فمعذرة هات يديك إلى الخلف”
قيٌد يديٌ إلى الخلف ثمٌ وضع فوق راسي غطاء بحيث لا يمكنني رؤية أيٌ شيء، ثمٌ أخذ بيدي ليقودني عبر تلك الكثبان الرملية التي تفصل بين الغرفة و موقف السيارات…
وبمجرٌد تجاوزي باب الغرفة، صاح في بعض المساجين׃”أسرعوا احملوا الأمتعة إلى السيارة…..”
كنا ثلاثة…احدنا أصيل الجنوب الغربي، تبيٌن أنٌه سيمثل أمام المحكمة في مدينة قابس في الأيام القليلة القادمة في قضية تتعلق بالأحوال الشخصية…أما الثاني فهو أصيل جهة باجة لكن يقطن بالضاحية الجنوبية للعاصمة.كانت أيديهما مقيدة إلى الأمام، و كان ابن الشمال يشكو ألما في مستوى الكتف، واثر تعارف سريع و مقتضب سألته عن سبب أوجاعه…فأجاب دون تردٌد ׃” المدير ضربني بقضيب حديدي على كتفي..”
-”و لِمَ؟ ماذا تراك ارتكبت من محظور؟”
-” لا شيء صدٌقني لم ارتكب أية مخالفة، غير أن في احد أيام التٌفتيش و بعد تجريدنا من ثيابنا، لاحظ المدير بعض الوشم على جسدي، فسألني عنه فأجبته بأنه قديم جدا، فوجه المدير الحديث وجهة أخرى وقال׃” آه باندي ! و أنا نحب الباندية نموت عليهم”..ثم انهال علي صفعا وضربا و ركلا…و كانت النتيجة أن انخلع كتفي كما ترى”…
………………………………
وصلنا إلى سجن قابس…و هناك نزل سجينا الحق العام قبلي و قد حملا أمتعتهما… أما أنا فقد كانت يدي مغلولة وراء ظهري وبالتالي استحال علي حمل أمتعتي، فنزلت و أمرت بالتوجٌه نحو الرواق والوقوف قرب حائط كان رفيقاي قد سبقاني إليه، و بعد قليل جلب بعض السجناء أمتعتي، وكان آخرون يغدون و يروحون بسرعة تذكر باولائك الذين رايتهم في باحة سجن صفاقس…و بعد قليل يقدم كهل طويل القامة برتبة وكيل (1) - أو وكيل أول- احمر البشرة، أشقر الشعر، تعلو انفه نظارتان طبيتان، أما شواربه فكانت تحاكي مقود دراجة هوائية من طراز قديم…نادى رفيقي رحلتي وسألهما عن”قضية”كل منهما׃ أما الجنوبي فكان تتعلق بالأحوال الشخصية و أما الشمالي فكانت نشلا أو سرقة…ثم سألني عن “قضيتي” فأجبت بصوت يسمعه׃”الانتماء إلى حركة النهضة” فما كان منه إلا أن رفع يده عاليا و صفعني صفعة رددت صداها أركان الرواق و استرعت انتباه الموجودين هناك و فضولهم…
” آه يا ابن أمي!هذا ابتلاء آخر، انك لم تتعرض له من قبل، كما تعرض له كثيرون من إخوانك في الاستقبالات التي كانت تنظم لهم في الناظور و الرومي و المهدية…و يتفنن أمثال هؤلاء في التنكيل بهم…يداك مقيدتان إلى الخلف فهل تراك تخضع لاستفزازه و تستبدل قضيتك العادلة بقضية مخجلة نجاة بنفسك من ألم الصفع و الحال أنك لا تستطيع حتى حماية وجهك…أم تختار الحل الثاني و أنت الذي لن يطول مكثك في هذا السجن الظالم أهله فتدخل معه في صراع إرادات و إن اختلفت الموازين…أليس في تعذيبك مزيد أجر و حط من الذنوب…ثم ماذا ترى هؤلاء المساجين الذين يشاهدونك الآن ماذا تراهم يرددون على مسامع إخوانك داخل الغرف…و من أدراك قبل هذا و بعده أنه سيكف عن تعنيفك بمجرد أن تنبس بما يريد، نعم من أدراني؟ هل لهؤلاء أخلاق أو عهود أو مواثيق يمكن الاطمئنان إليها؟ ولكل ذلك فليكن ما يكون فاصبر و صابر…”
أعاد سؤاله فأعدت نفس الجواب بصوت أعلى فصفعني صفعة أقوى من الأولى…
” آه يا ابن أمي احذر الآن و قد دخلت معه حلبة صراع الارادات أن تخور قواك أو تسقط أرضا أو تتزحزح عن مكانك وليعلم هذا النذل أن القضايا العادلة تجد دوما من يدفع من دمه وجسده في سبيلها وأن الغطرسة و العنجهية تجد كذلك من يتصدى لها و يكسر شوكتها رغم ضعف القوة و قلة الحيلة و الهوان عند الناس وأن القوي هو الذي يقف مع الحق و العدل و الخير و ليس الذي يقف مع الهراوة و الظلم و الفساد و الإفساد…”
فرجت بين قدمي وانحنيت قليلا، أدخلت رأسي بين كتفي قدر المستطاع محاولا المحافظة على انتصاب القامة كما يفعل ذلك الياباني في رياضتهم الوطنية العريقة-السومو-.
«آه يا مارسيل هل تراك رأيت ما رأيت؟ لكن كفاك فخرا أنك ساهمت في إنارة ذلك النفق الطويل المظلم… كفاك فخرا أنك لم تنخرط في طابور الأصوات المخدرة لطاقات الأمة و تمييعها و الزج بها في متاهات الضياع و الاستلاب في زمن الرداءة و العجز و الاندحار…”
” احذر يا ابن أمي احذر أن يشعر بلحظة ضعف واحدة تعتريك “
و كرر سؤاله و كلما كرره ازداد حنقا و غيضا و حقدا و ازداد هوانا و حقارة و خسة أمامي و كلما كررت إجابتي إلا و ازددت شموخا و كبرياء و دقات القلب تتسارع و الدم يركض في الأوردة و الشرايين…و لا ادري أفي الجولة الثامنة أو التاسعة أو العاشرة بدأت صفعته تلين بعض الشيء و تضعف…انه سينهار بعد قليل… فهذا لهثه يسمع اﻵن بوضوح…ثم توجه لأحدهم صائحا:”مدلي ملحفة من دبشو”
مكنه منها أحدهم، وضعها على راسي بحيث غطاه تماما ثم بدا في جذبي بقوة وهو يسير أمامي…ثلاثون خطوة… أربعون…ثم صاح مسعورا׃ ” افتح الباب، افتح الباب…» أدخلني غرفة، فك قيدي و دفعني بقوة داخلها، أغلق الباب بقوة و انصرف… رفعت الملحفة عن رأسي فإذا بي في زنزانة لا يتجاوز عرضها ثلاثة اذرع و طولها ستة اذرع…تحسست وجهي…كانت الحرارة شديدة في مستوى العنق و الخدين بفعل تدفق الدم…كانت هناك قارورة فيها شيء من ماء يبدو نظيفا فغسلت وجهي…واستندت إلى الحائط و بدأت استعرض أسماء إخواني الذين تعرضوا لمثل ما تعرضت له…”أين أنت مما تعرض له شباب باب سويقة البررة أياما عديدة.. انك لم تجرد تماما من ثيابك مثلهم كما انك لم تزحف مئات الأمتار مثلهم حتى سالت دماؤهم الطاهرة من ركبهم و مرافقهم…أين أنت مما تعرض له اللواء القلال و أين أنت مما تعرض له لطفي… و أرسلت العنان للذاكرة تجنح في الآفاق البعيدة و الأزمان المختلفة…”
بعد وقت لا أدري ما طوله يفتح الباب من جديد لكن بهدوء و يطلب مني Read the rest of this entry »
في اليوم الثامن: من جانفي-يناير 1995 وعلى الساعة السابعة و النصف صباحا تقريبا، تقدم كوكبة من أعوان السجن المدني بالمهدية إلى الجناح المضيٌق، محدثة جلبة و ضوضاء، تمتزج فيها فرقعة أحذيتهم العسكرية و صلصلة المفاتيح التي يعبثون بها و يقرعون بها الأبواب تارة أخرى، يقف أحد الأعوان أمام الزنزانة الرابعة، يفتح كوٌة المراقبة في أعلى الباب، ينتظر برهة حتٌى لا تصدمه الرائحة الكريهة المنبعثة منها ثم ٌ يتقدٌم نحوها، يشعر السٌجين بكل ذلك فيتحرٌك قليلا في إشارة للحارس بأنٌه لا يزال على قيد الحياة، و يتجنٌب بذلك صياحه وضجيجه وضربه الباب بحذائه العسكري، لكنٌه مع ذلك لم يغلق الكوٌة بل صاح بغلظة فيها كثير من الاصطناع: فلان بن فلان الفلاني؟ فيجيبه السجين: » نعم«… فيسأله عن رقمه وقضيته، وبعدما يستمع إلى إجابته ويتثبت منها يأمره بنفس تلك اللهجة »..أيا تقاعد..«
كان البرد قارسا في تلك الأيام…ينهض السٌجين مرتجفا، يلقي شطر زاورة وسخة تشبه قطعة من اللوح الرقيق(contre plaquée) تكرٌموا بها عليه فاتخذها فراشا وغطاء، إن غطٌى رأسه تعرٌت رجلاه، وإن غطٌى رجليه تعرٌى رأسه، فتنهشه في كلٌ حال سهام البرد و الزمهرير، ينزل من السدٌة الإسمنتية، فتلسع أرضية الزنزانة قدميه الحافيتين، وتنتابه سلسلة من العطاس ولا من مشمٌت في هذا المكان، يمسك بإحدى يديه طرفي جمٌازة فقدت لونها كما فقدت أزرارها منذ أمد، وعشٌش فيها القمٌل فباض وفرٌخ، و باليد الأخرى يمسك قارورة انتصفت…يتبوٌل فيها شأنه شأن المحظوظين من المعاقبين وقارورة أخرى مخصٌصة لماء الشرب يتٌخذها وسادة إن أفلح في الاحتفاظ بغطائها ولم يتفطٌن له الحارس…
فتح الحارس الباب، لمح القارورتين فصاح:» لوٌح الدبابس واخرج«.
كان يوم الأحد هذا هو اليوم السابع من العقوبة التي يقضٌيها سجيننا في الحبس الانفرادي و المضيٌق، و التي لن تقل أبدا عن عشرة أيٌام في أفضل الحالات، وبقطع النظر عن التهمة أو التهم الموجٌهة إليه وعن وجاهتها ومدى ثبوتها أو كيديتها…
وضع صاحبنا القارورتين بلطف خشية أن يكبٌ البول، لكن الحارس نهره طالبا الإسراع بالخروج، تجاوز الباب بقليل، و استرق النٌظر إلى اليمين، نحو باب” السيلونات”.
»هل أكون طعام وليمة لهؤلاء في هذا اليوم شديد البرد؟ لكن ما التٌهمة التي يمكن لهم أن يوجٌهوها إلي الآن؟ هل تكون تلاوتي للقرآن في صلاة العشاء أو الصٌبح مرتفعة بعض الشٌيء فأزعجتهم؟ أم تراهم استمعوا إليٌ في غفلة منٌي وأنا أترنٌم:
“يطلع الدجال ل بزيفه
يملأ بحر النيل ضباب
ينزل الدٌجٌال بسيفه
يزرع الموت والخراب
يطول الليل زي كيفه
الصٌباح ليه ألف باب…”
أم…أم…آه..إنٌهم غير مجهٌزين بأدوات العمل.. لأتثبٌت… نعم ليس معهم الكلاب وليس معهم تلك الهراوات السوداء اللٌعينة و ليس معهم…….«
كانت تلك الهواجس تزدحم في مخيٌلته عندما انتهره الحارس من جديد:
” أين ثيابك؟ “
” في السيلون 6 “
توجٌه العون نحو الغرفة المذكورة، فتح الباب و أردف:
” بسرعة، بسرعة، البس ثيابك. “
كانت الأدباش مكدٌسة و أخرى مبعثرة هنا وهناك، و كانت ظلمة المكان شديدة لم تستطع أشعةٌ النور الطبيعي المتسلٌلة إلى هذا الجحر أن تبدٌد شيئا منها، بعد التثبٌت والتدقيق في قطع الثٌياب المتناثرة، التقط ملابسه و توجٌه نحو ركن السيلون ليتحاشى نظرات العون إليه وهو ينزع لباس العقاب، لكن العون تقدٌم قليلا نحو الباب بحيث يواكب عملية تغيير الثياب، متظاهرا بأنٌه سيبيح بسرٌ خطير وهمس:
” قافلة، قافلة، إنٌك سنقل إلى سجن آخر، اترك المشاكسة واكتف بشؤونك الخاصٌة، الكف لا تستطيع أن تتحدٌى الإشفى…”
رفع صوته قائلا:
” هيٌا بسرعة، أين بقيٌة أدباشك؟ “
“ألمح البعض هنا “
” الكلٌ هنا إذا، هيٌا بسرعة، أخرجها بسرعة، ضعها أمام السٌلونات..”
بدأ صاحبنا يفرز أمتعته و إذا بعض الجرذان تنطٌ من هنا وهناك، و إذا بكبير الجرذان يتٌجه بسرعة نحو الباب فينزعج الحارس و يقفز إلى الوراء صارخا:
” ما أكبر والديه !”
آه، لو كان يعلم هذا العون أن بعض الجرذان قد أصبحت صديقة حميمة لبعض السٌجناء الٌذين ارتأت الحكمة الإدارية، و بناء على المصلحة العليا للدٌولة، و تكريسا لحقوق الإنسان حسب الرؤية التونسية، و محافظة على سلامة الوطن، و عملا بما تقتضيه العهود و المواثيق الدولية، ارتأت الإدارة إيواءهم بأجنحة العزلة المغلٌظة، بحيث لا يرى سجناء آخرين حكم عليهم معه في نفس القضيٌة أو مثيلاتها فحسب، بل إنٌه لا يرى هنا أحدا يمكن أن يبادله الحديث أو يقاسمه شجونه حتٌى من مرتكبي أشنع الجرائم…آه، لو يعلم…بعهدتهم لا سيما وأنٌهم يفتٌشون أمتعة سجين من ذوي الصبغة الخاصٌة، ممٌا يجعل كلٌ خطأ أو هفوة، يمكن أن تحدث جريمة لا تغتفر بل تعدٌ تواطؤا مع السٌجين وتعاملا معه يقتضي الإيقاف و التٌجريد.أمٌا رئيسهم فكان على عجل ممٌا دفعه إلى مخاطبة السٌجين قائلا:
” ألم نفتٌش أمتعتك هذه يوم الاثنين الماضي؟ “
” نعم، نعم فتٌشناها يوم الاثنين، هذا الذي وجدنا عنده شفرة حلاقة جديدة في المصحف.”
هكذا أجاب أحد الأعوان دون أن ينتظر إجابة السٌجين الذي اكتفى بابتسامة ساخرة، ثمٌ أشاح بوجهه عنهم ليتابع عملية التفتيش فإذا بالمسؤول ينتهره قائلا:
” اذهب إلى الكتابة لإتمام الإجراءات، هيٌا بسرعة.”
خطا صاحبنا بعض الخطوات متثاقلا، كلُ شيء يمكن أن يحصل في غيابه، بل حتٌى في حضوره، يمكن أن توضع شفرة حلاقة مثلا بين أمتعته كما حدث في بداية الأسبوع، كما يمكن أن تؤخذ الرٌسائل أو وصولات التزوٌد من مخزن السٌجن أو بعض الأقلام أو..لكن الكلٌ صفٌ واحد، الكلٌ لا يكذب، لا يكيد، لا يسرق، لا يغالط، لا يتآمر، نعم كلٌهم أجمعون، من السٌجين المضطهد من الحقٌ العام المكلٌف بالتٌنظيف أو حمل الأمتعة، أو العامل في المشرب أو المطبخ..إلى المسؤول الأوٌل عن المؤسٌسة، قد ُيََتَكَرٌم على سجين بأمتعة سجين آخر، سجين مغضوب عليه وآخر ضعيف، مستلب، مستغلٌ، تستعمله الإدارة في مختلف الأعمال القذرة التي تريد القيام بها.










