بسم الله الرحمان الرحيم

بعد إيقاف يوم كامل في محلات مصلحة أمن الدولة طلب من الدكتور عارف العزيزي العودة إليهم يوم الاثنين صباحا.. و كان عارف في الموعد، نهض فجرا ليصل في الموعد المحدد.. كان يأمل العودة سريعا أو على الأقل في نفس اليوم.. لكن إيقافه طال.. انتهت المدة القانونية الأولى للاحتفاظ دون خبر يذكر.. و ذهبت الظنون مذاهب شتى.. لم يتسرب أي خبر من وكالة الجمهورية.. أ وقع التمديد أم لم يقع؟؟.. لا خبر لدى المحامين الذين اتصل بهم شقيقه… و ساد الغموض..
امتدت إقامة الدكتور عارف.. و ساءت الظنون أكثر فأكثر.. و إن كان قاعدة الاجتماع “حسن الظن بالناس” فإنها تنطبق على مؤسسات غير هذه المؤسسات و أناس غير هؤلاء الأناس… و ليس من المبالغة في شيء القول إن القاعدة في التعامل مع هذه المؤسسات سوء الظن بها و الاحتراز منها و من العاملين فيها و لو كانوا صادقين… فكيف و الوقائع التي لا تمت للواقع بصلة و مع ذلك تضمن في محاضر الأبحاث و يوقع المظنون فيه عليها قسرا أو خشية و رهبة.. و تحال إلى قلم التحقيق فتصبح مسلمة رياضية لا يمكن الانفكاك منها.. و في مرحلة أخيرة تصبح دليل إدانة قاطع..
امتدت مدة الإيقاف.. و مع امتدادها امتدت التأويلات و الاجتهاد في البحث عن أسباب هذا الإيقاف خصوصا إذا كان الموقوف لا شوائب تحوم حوله من قريب أو من بعيد.. و ككل مجتمع تكون فيه للنفوذ العائلي أو السياسي أو المالي أو غيره قدرة على تسخير مؤسسات الدولة للمصلحة الشخصية سواء قضاء لحاجة أو تأديبا لمن تسمح له نفسه بعدم الرضوخ لأصحاب الوجاهة و النفوذ انتصارا لقيم العدل و المساواة، قيم التوحيد الخالدة أو قيم حقوق الإنسان.. و هنا كان سجل الدكتور عارف لا يخلو من سوابق تدفع صغار النفوس للانتقام.. فمرة قدم عليه شخص إثر حادث مرور و بعد فحصه أملى عليه ضميره المهني و القسم الذي أداه أن هذه الحالة لا تستدعي راحة تتجاوز اليومين بينما كان هناك من يطالب براحة أطول بكثير تحقق للمتضرر “منافع” أفضل، فرفض الدكتور هذا الطلب مما أغاض البعض من أهل النفوذ.. و مرة أخرى و كان يفحص المرضى إذ بالممرض يدخل عليه مريضا غير مسجل في دفتر العيادات بدعوى قرابته لأحد الوجهاء لا يريد الممرض تعريض نفسه لغضبهم، فأصر الدكتور على وجوب احترام التراتيب كائنا من كان المريض غنيا أو فقيرا وضيعا أو وجيها… و مثل هذه الأحداث كثيرة.. و لم لا تغضب من تعود قضاء مختلف شؤونه دون أن يخضع لترتيب بل يتسابق الناس لإرضائه على حساب المواطن البسيط الذي لا وجاهة مالية و لا سياسية و لا اقتصادية له..
و تجمع لدى شقيق الدكتور من مثل هذه الأحداث الكثير…
و تمر الأيام ثقيلة على كافة أفراد العائلة سواء منهم من عرف ويلات المرور بتلك المكاتب التي لا تبعد أكثر من ثلاثين مترا على أكبر شوارع العاصمة حيث يتهادى الناس على أرصفته جاهلين أو متجاهلين ما يقع قربهم من استباحة مطلقة لكرامة الإنسان..
و وصل البيت… فكانت التهاني.. بعد تفحص دقيق: هل يحمل آثارا ما في يديه أو رجليه بعد أن رأوا الوجه لا يحمل ما يكرهون…
أمضى الدكتور الأيام الخمسة بلياليها في مكان غير معد للإيقاف بل معد للذين يأتون هناك لقضاء شؤون أخرى.. فهل كان ذلك اختيارا أم اضطرارا؟؟ يعني هل كانت الزنازين الخمسة عشر في الدهليز ملآنة بضيوف أتوا هناك مكرهين… أم لسبب آخر؟؟ و لم لم يقع إيواؤه بالطوابق العليا؟؟
و كما كان الأمر في إيقافه الأول كان في إيقافه الثاني أي تمحور البحث حول الإنترنت و المواقع التي يزورها و استفسارات حول الملفات الموجودة بحاسوبه…
و يوم السبت 12 أفريل 2008 في أول التوقيت الإداري الصباحي كان الدكتور يستنشق هواء أقل تلوثا من الذي كان يتنفسه منذ أيام خمسة.. كان يحمل حاسوبه الخاص… و بعدما ابتعد عن البناية الرمادية وقف على الرصيف و فتح هاتفه الجوال، و طلب…
عاود الدكتور الاتصال بعائلته.. فتنفرج أسارير كافة أحبته “حمدا على السلامة” قالوها قبل أن يروه.. المفيد أنه تكلم.. بما يعني أنه حي يرزق… لا يهم إن كان قد تعرض إلى ما يتعرض إليه من يمر بتلك المكاتب البائسة في العموم…

كم كانت الفرحة عارمة؟؟ إنها غمة تجلت عن عائلة فهل تراها تتجلى عن آلاف العائلات، و عن شعب بأكمله؟؟؟ أمل يلازم الأحرار صبح مساء، و ما كان للقيد أن يبقى و ما كان للظلم أن يستقر و هذا الأمل يكتسح الساحات و الأفئدة و إن بدا بطيئا في حركته..

جرجيس في 13 أفريل 2008

عبدالله الـزواري