You are currently browsing the monthly archive for يناير, 2008.
حوار مع الصحفي عبد الله الزواري القيادي الإسلامي المنفي في وطنه

حاوره فوزي الصدقاوي
Sadkaoui.fwz@gmail.com
7.على إثر خروجكم من السجن لاحقـتْـكم السلطة وعَطّلت نشاطكم وجرى ترحيلكم إلى السجن الأكبر، كيف دافعتم عن قضيتكم و ضمن أي مسوغات مارست السلطة قرار نفيكم ؟
أنا محكوم بأَحَدَ عشر سنة، لكن المدة التي قضيتها هي أحدَ عَـشَر سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يوماً، أي قضيت ثلاثة أشهر وخمسة عشر يوم إضافية ، فالسلطة السياسية التي تسن القوانين في البلاد هي أول من ينتهكها، ففي عهد بورقيبة إن تم إيقاف أحد يوم 15 من الشهر مثلاً ، فسوف يتم خصم مدة الإيقاف من مدة الحكم .ولأن السلطة الحالية تتظاهر بإحترامها لحقوق الإنسان والمواثيق والعهود الدولية والإجراءات الجزائية وقع سن في بداية التسعينات من القرن الماضي،الإيقاف التحفظي بمدة عشرة أيام ، لكن السلطة التنفيذية ستجد نفسها أمام معضلة فالإيقاف التحفظي القانوني عشرة أيام وبعض الموقوفين قضوا بالإيقاف شهر أو شهرين .وحتى يقع إحترام قانون الإيقاف التحفظي ، يقومون بإخراج السجين في اليوم العاشر إلى ساحة منطقة الأمن أو مركز الشرطة ليلتقي بعائلته ويُسجلون إطلاق سراحه في يومه ذاك ، ثم يُعَادُ إلى السجن ويُسَجـَل إيقافه من جديد وبتاريخ جديد، فأنا مثلاً تم إيقافي في21 فيفري 1991 لكن في محضر التحقيق يسجل إيقافي بتاريخ 6 جوان1991 ، وبذلك دفعت ثلاثة أشهر ونصف إضافية على مدة الحكم المقررة من قبل المحكمة . وبعد إحدى عشر سنة في عزلة سجنية مغلظة ، لايرى المرء من وجوه الأدميين غير وجه السجان ، يخرج إلى المجتمع بنية تدارك ما فات ويُصلح ما أفسدته السلطة السياسية في عائلته طوال تلك السنين ،خرجتُ بنية إستعادة علاقاتي العائلية والإجتماعية والجمعياتية وغيرها بقصد العيش حياة عادية ، لكن السلطة كان لها رأي أخر ، فالإبادة التي لم تتحقق من خلال قرارات المحاكم بإصدار أحكام الإعدام في مرحلة أولى ثم بالتدمير المنهجي في مرحلة ثانية في السجون التونسية من خلال التراتيب والسياسات التي تم تنفيذها على السجناء ، سيتم في مرحلة ثالثة ملاحقة السجين خارج السجن بعدد من الإجراءات المجحفة.

بسم الله
الأخ محمود قويعة
تعريف:
صاحبنا هذه المرة من مواليد 18 أوت 1965 بمدينة القيروان، هناك نشأ و تدرج في حضن العائلة الكريمة، فأرضعته من لبان العفة و التقوى و الكرامة، زاول تعليمه الابتدائي بمدرسة غربي القيروان ثم مدرسة رياض سحنون بــــ( حومة السيد ) قرب مقام أبي زمعة البلوي رضي الله عنه. ثم انتقل إلى معهد طريق سوسة الثانوي بالقيروان حيث أتم المرحلة الأولى و منه انتقل إلى المعهد الفني بالمنصورة حتى عام 1984 و هي السنة التي أطرد فيها نهائيا على خلفية إيقافه إثر أحداث تلمذية شهدتها البلاد عرضا و طولا.. و كان وقتها في السنة السابعة ثانوي، و كان المعهد الفني بالمنصورة يديره السيد حمادي الجوادي.. و قد صدر القرار بالطرد و صاحبنا في حالة إيقاف حيث قضى 12 يوما في “ضيافة الأولى” ( من 8 مارس 1984 إلى 19 مارس 1984 ) ورغم إطلاق سراحه بعد حفظ القضية في شأنه من قبل السيد حاكم التحقيق الذي عرض عليه يوم 19 مارس 1984 فان إدارة المعهد أصرت على قرار الطرد بل صدر أمر من وزير التربية بطرده مع قرابة 60 تلميذا من مختلف المعاهد بالبلاد
مع حرمانهم من حق الترسيم في المعاهد الحرة . وبعد تدخل جاد و دؤوب من الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وبقرار مباشر من الوزير الأول آنذاك السيد محمد مزالي في جلسة له مع الهيئة المديرة للرابطة قبيل العام الدراسي الجديد ( 1984-1985 ) سمح لهم بالترسيم في المعاهد الحرة .
واصل صاحبنا دراسته بمعهد حر بالعاصمة كلله بالظفر بشهادة البكالوريا دورة جوان1985…
ثم انتقل إلى العاصمة ليواصل العطاء، و سجل بكلية الشريعة و أصول الدين و هناك أنهى المرحلة الأولى، ثم وجه لمعهد الحضارة الإسلامية – في إطار ما سمي بإعادة الاعتبار للجامعة الزيتونية و أكمل المرحلة الثانية شعبة الثقافة الإسلامية التي توجت بشهادة الأستاذية في العلوم الإسلامية في الدورة الأولى التي أجريت سنتها استثنائيا في سبتمبر 1990..
أما نضاله التلمذي و الطلابي فقد بدأ مبكرا إذ انتخبت نائبا للتلاميذ بمجلس المعهد ( المعهد الفني بالمنصورة ) في السنة الدراسية 1982-1983..
و انتخب ممثلا لطلبة كلية الشريعة بالمؤتمر الوطني الثاني للاتحاد العام التونسي للطلبة ( 16-17 ديسمبر 1986)
ثم انتخب عضوا بهيئة مؤسسة الكلية وكاتبا عاما لها وهي ذات المهمة التي باشرها خلال المؤتمر الوطني الثالث ( 20-21-22 جانفي 1989 ) وبعده حتي تخرجه من الجامعة في سبتمبر1990 …
- انتخب عضوا بالمكتب التنفيذي للاتحاد في المؤتمر الوطني الرابع حتى تاريخ إيقافي في 9 افريل
1991 . وكلف صلبه بمهمة الإدارة والنظام الداخلي.
- كما كان ممثلا للطلبة في مجلس المعهد ( المعهد الأعلى للحضارة الإسلامية )..
* السجل الأمني : تم إيقافه أول مرة يوم 30جانفي 1984 بعد أحداث ألخبز 3 جانفي 1984 وما تلاها من تحركات بالمعهد الفني بالمنصورة بعد استشهاد الأخ الهادي البرهومي – رحمه الله تعالى في تلك الأحداث. دام إيقافه يوما واحدا…
ثم تدرج حيث دام الإيقاف الثاني 12 يوما من 8 إلى 19مارس بسجن الهوارب إثر الأحداث التلمذية التي عرفتها البلاد تلك السنة.. وحفظ السيد حاكم التحقيق القضية في شأنه وأطلق سراحه بعد إصدار قرار بطرده من جميع معاهد البلاد .
تم إيقافه للمرة الثالثة في الطريق العام بالعاصمة في 23 جوان 1987 في أوج هجمة السلطة
أيامها على الإسلاميين ووجهت لي تهمتي الانتماء لحركة الاتجاه الإسلامي والتظاهر بالطريق
العام و قضي في شأنه بعدم سماع الدعوى و أطلق سراحه في 26 ديسمبر 1987..
في أواخر شهر جويلية 1990 تم توقيفه داخل جامع عقبة لمدة 4 أيام بالقيروان ونشرت قضية ضدي اتهمت فيها بـــ( تنظيم نشاط في المسجد ) و كان عدم سماع الدعوى قرار محكمة الناحية في هذه التهمة وأقر نفس الحكم بعد استئناف النيابة .
في 9 أفريل 1991 تم إيقافه بشارع الحرية بالعاصمة وحوكم بخمس سنوات سجن قضاها كاملة ( يضاف إليها شهران في مركز الإيقاف ببوشوشة لم يحتسبا ضمن مدة الحكم ) بين سجني 9أفريل وزغوان . وغادر سجن زغوان يوم 7 جوان 1996.
* السجل المدني : بادر إلى الزواج إثر إطلاق سراحه، و كان ذلك يوم 22 جويلية 1996 ( شهر ونصف فقط بعد مغادرة السجن) علما أنه كان قد عقد قرانه قبل إيقافه الأخير ب 10 أيام فقط ( يوم 29 مارس 1996 وبالمناسبة هو نفس اليوم الذي صدر فيه قرار تجميد الاتحاد العام التونسي للطلبة ) . له الآن من الأبناء معاذ وهو البكر(17 جوان 1997) و ملاك(18 ماي 2000) و منار(30 ديسمبر 2002) و هو الآن في انتظار المولود الرابع بإذنه تعالى (جانفي 2008)..
و هو مثل الآلاف من مساجين الرأي و المساجين السياسيين معطلا عن العمل، لا يتمتع بأي رعاية صحية أو اجتماعية في بلد “فرحة الحياة” و ” التضامن” و “قيم الإسلام السمحة”…
الحــــــــــــــــــــــــوار:
1)هل دار بخلدك يوما أنك قد تكون وراء القضبان؟
بكل أسف .. نعم كنت متأكدا أنه لا مفر لمن اختار في بلدي أن يهتم بالشأن العام ويحمل هموم وطنه من المرور بتجربة السجن . فمنذ بدأت أعي ما يدور حولي في بداية الثمانينات من القرن الماضي - أثناء دراستي الثانوية – كانت أخبار المحاكمات السياسية تتصدر عناوين الصحف المستقلة – أيامها – وخاصة جريدة الرأي .
Read the rest of this entry »

حاوره فوزي الصدقاوي
Sadkaoui.fwz@gmail.com
5.هل لكم أن تحدثونا عن محنة التسعينات من القرن الماضي في السجون التونسية كما عايشتموها وعاشها السجناء السياسيون و كيف تقرؤون أبعادها ؟
كنتُ قد حوكمتُ في جميع محن الحركة الإسلامية وذلك في سنة 1981 وسنة 1987 ثم سنة 1991….ففي سنة 1981 ونحن في السجن كانت علاقتنا مع السجانين عادية كما كانت علاقتنا بعائلاتنا على ما يرام وأذكر أنه في أحد الأيام فتح علينا أحد الأعوان في السجن الباب وشرع يدفع إلينا بـ(ـالدلاع) فسألناه عن الأمر قال : أن فلاحاً من أبناء الجهة بعث إليكم بهذا الدلاع ، كانت بعض تلك(الدلاعات) قد كُـتب عليها «الإتجاه الإسلامي» والإدارة لم تر في هذا تصرفاً مخالفاً للقانون ولا مستنكراً من قبلها بل إستلمت الدلاع من المواطن وسلمته إلينا ، لكن في نظام زين العابدين بن علي تقطع عائلتك مائات الأميال دون أن تتمكن من أن تسلمك قفتك [1] للأن نظام السجن جعل للزيارة يوم وللقفة يوم ، ما الذي تغيير من سنة 1981 إلى سنة 1991 حتى يتغيير نظام السجن ؟ فالحركة وأبناؤها وقادتها الذين حوكموا سنة 1981 هم أنفسهم الذين حوكموا سنة 1991 مع أبنائها الجدد من التلاميذ و الطلبة والعمال والأساتذة بل إن السجانين أنفسهم لم يتغيروا، فالنظام وحده الذي تغيير، فـيوم كنت في سجن الناظور سنة 1981 بعث إليّ أحد تلاميذي وهو مقيم في مدينة بنزرت قفة كتب عليها( عبد الله الزواري /حركة الإتجاه الإسلامي) وقد سلمت إلي الإدارة القفة دون أن تجد أي داعِ للإعتراض أو اللإمتناع ، فقد وظفت السلطة السياسية ضدنا كل شيء فوظفت القضاء ليصدر ضدنا أقسى الأحكام الجائرة وسخّـرت إدارة السجون للتنكيل بنا والتشفي والإنتقام وسخّـرت مصالح الأمن لتصفية طرف سياسيّ معتبرٍ في الحياة السياسية بتونس . وتحولت مؤسسات الدولة في قبضة الحزب الحاكم تنـفذ سياساته . فما مورس ضدنا منذ بداية التسعينات وإلى يوم الناس هذا مخالف لكل الأعراف والقوانين وسأقدم لك بعض الأمثلة:
في سنة 1981 كانت عائلتي تقيم في جرجيس فيما كنت في سجن الناظور ولم يكن بإمكان عائلتي أن تزورني نظراً لبعد المسافة(+500 كلم) غير مرة واحدة كل ثلاثة أو أربعة أشهر فسألت مدير السجن إن كان يمكن لعائلتي أن تزورني أكثر من مرة في الأسبوع إن هي أمكنها الإقامة بتونس العاصمة لمدة أسبوع أو أسبوعين ، لم يعترض بل سمح لعائلتي بالزيارة ثلاثة مرات في الأسبوع ، وقد قدرت من جهتي كسجين أن هذا التصرف ينم عن إنسانية وحكمة . كان ذلك قبل أن توجد قوانين ترتيبية للسجون وقبل أن تصبح السجون تحت إشراف الإدارة العامة وقبل أن يصبح ضباط السجن متخرجون من الأكاديمية لتسير السجون ، كان مديري السجون حينها قد ترقوا من خيط إلى أربعة خيوط إلى نجمة بيضاء ثم نجمة صفراء .
في سنة 1995 وبعد ما يقرب عن تسعة أشهر لم تكن تعلم عائلتي عني أي شيء ولا بأي سجن أقيم، فآخر زيارة إلتقيتُ بهم فيها كانت في المهدية في سبتمبر 1994 وكانت من وسائل العقاب حرمان السجين من وصول رسائله إلى أهله ، فيسمح لنا بكتابتها ثم تحجز عندهم . ومن سجن المهدية تم نقلي إلى رجيم معتوق ثم إلى الهوارب والسيد فيصل الروماني الذي صار اليوم رائد كان من بين العقوبات التي هو بذاته أعلن عنها: أن رسائلي لن تصل إلى عائلتي. وبقيت أخباري مقطوعة عن العائلة من سبتمبر 1994 إلى أكتوبر 1995 وبعد أن ذهب فيصل الروماني و ذهب مدير عام السجون الحاجي غير مأسوف على عهده ليحل محله مدير عام جديد هو العقيد توفيق الدبابي ، تعدلت بعض الأشياء ، فعلمت عائلتي بمحل وجودي وقدِمت لزيارتي يوم 17 أكتوبر وقدمت والدتي المسنة متحاملة على نفسها لزيارتي بسجن الهوارب ، ومع أن القانون يسمح لذوي السجين عدم التقيد باليوم المخصص للزيارة السجناء إذا كانت الزيارة الأولى فقد منعوا عائلتي من زيارتي يومها بحجة أنه ليس يوماً مخصصاً للزيارة ولم يوقروا إمرأة مسنة جاءت تزور إبنها بعد أن فقدت أخباره لتسعة شهور ودعوها للعودة في اليوم الموالي . باتت والدتي ليلتها تلك ،وهي كما أذكر ليلة ماطرة و عاصفة، عند عتبة احدى الحوانيت في الهوارب وفي الصباح حملتْ نفسها إلى السجن لزيارتي ، كانت والدتي في جميع المحاكمات تشد أزري وتطمئنني، ولم تبكي يوما عند المقابلة ، بل إنها طلبت من مدير السجن يوم كنا في إحدى مقابلات السجن سنة 1981 أن تبقى مع السجناء لتغسل لنا ثيابنا وتطهو لنا الطعام وكنت أخرج للزيارة وقتها مع الشيخ راشد الغنوشي، فطمأنها مدير السجن: أنهم يعتنون بنا ويلبون طلباتنا وأنه ليس عليها أن تقلق على حالنا .

لكن في تلك الزيارة من صبيحة يوم 17 أكتوبر 1995 إستقبلتني والدتي عند الزيارة باكية وأبت أن تحدثني بشيء حتى لاتنغص عليَّ ، إلى أن روى لي شقيقي ما كان من أمر إدارة السجن من رفضها السماح لعائلتي بالزيارة وما كان من إصرار والدتي على المبيت في الطريق العام وعدم العودة قبل أن تراني وقد إغتضت لذلك وهالني أن أسمع ما تكبدته والدتي من متاعب . هذا بعض ما يمكن أن يُعْطي صورة عن وضع السجين وعائلته على عهد نظام بن علي، والواقع أن أشنع منه حصل للسجناء وعائلاتهم. بينما في عهد نظام بورقيبة كان مدير السجن بشير الشنّوفي الذي أمضينا تحت إدارته ثلاثة سنوات سجن قد قدِم إلينا ليودعنا باكياً معانقاً يوم مغادرتنا لسجن الناظور إلى سجن تونس . ومع أنه كان معروف بإدمانه على شرب الخمر إلا أنه كان يعامل السجناء معاملة إنسانية وقد قال لنا عند المغادرة « مرّ أمامي جميع أصناف سجناء الحق العام،لكنكم صنف آخر من السجناء ولا يمكنني أن أخطأ في حقكم ، فإن كان جماعة السياسة قد أخطؤوا في حقكم ، فليس علينا نحن كإدارة السجن إلا أن نقوم بوظائفنا كما يوجبها القانون» والغريب أن هذا الرجل لم يدرس بالجامعة ولا بأكاديمية ولا درّسوه حقوق الإنسان ولا لقّـنوه دروساً في إدارة السجون وكل ما في الأمر أن مشاعر إنسانية كانت حاضرة وقـِِيماً أخلاقية كانت تحكم سلوكه هو وأعوانه ، لم تمنعه من أن يفعل الشيء الصحيح . هذا على أيام بورقيبة أما الآن فإنه رغم كون القوانين تسمح بالزيارة الأولى في أي يوم وفي أي ساعة دون إلتزام بالضوابط القانونية ليتم بعدها تحديد يوم الزيارة المقرر لعائلة السجين وساعتها في المستقبل ، فقد جرى منع والدتي المسنة من زيارتي ، بعد أن تكبدت عناء السفر الطويل .

حاوره فوزي الصدقاوي
الأستاذ عبد الله الزواري نشكركم على حسن إستقبالكم لنا ، ونفتتح محاورتنا لكم بالسؤال عن تجربتم داخل الحركة الإسلامية، كيف كانت منذ البدايات ؟ وكيف عشتم عقودها الثلاث ؟
بسم الله الرحمان الرحيم ،
لايدّعي المرء أنه كان من أوائل من بعث هذه الحركة لكني كنت من المجموعات الأولى في السبعينات التي قدمتْ إسهاماتها في هذا المجال ، بعد الإخوة الأكبر سناً والأغزر علماً والأخصب تجربة ،الإخوة راشد الغنوشي وصالح كركر وعبد الفتاح مورو و..البوغانمي ، فكان لي شرف الإنخراط في الهيئة التأسيسية لحركة الإتجاه الإسلامي سنة 1981 ، وفي تلك الفترة كنتُ مسؤول الحركة في جهة الكاف وسليانة ، ونحن الآن [1] في شهر نوفمبر2006 نتذكر أنه منذ خمس وعشرين سنة كانت الحركة تستعد لعقد مؤتمرها الثالث في ديسمبر الذي حمل وقتها عنوان مشروع الأولويات ومن المعلوم أن المؤتمر التأسيسي للحركة كان في صائفة سنة1979 ثم كان مؤتمرها الإستثنائي في أفريل1981 الذي كان الداعي لعقده إنكشاف تنظيم الحركة لدى السلطات الأمنية في ديسمبر1980. ثم كان في سنة 1984 المؤتمر الإنتخابي الذي جاء عقب سراح قيادة حركة الإتجاه الإسلامي التي جرى إعتقالها في جويلية-أوت 1981 للبت والحسم في المسألة التنظيمية بعد خروج القيادات من السجن وعودة بعضها الأخر من الخارج . ثم ستعقد الحركة كما قلنا مؤتمرها الثالث في نوفمبر سنة1986 تحت شعار : مشروع الأولويات .
في مثل هذا الشهر إذاً ، منذ عشرين سنة كانت هياكل الحركة تتمدد على طول البلاد وعرضها مدنها وقراها وكان مطروح على كثير من أعضاء الحركة البت في هذا المشروع ، وكان المؤتمر قد إنعقد برئاسة الأخ راشد الغنوشي الذي كان تحت ما يشبه الإقامة الجبرية حيث كان يخضع للمراقبة المستمرة و اللاصيقة دون حكم قضائي وكان المؤتمر قد إنعقد في ظروف أمنية صعبة وكللت أعماله بنجاح نسبي ، واليوم بعد عشرين عاماً تجد الحركة نفسها في وضعية جديدة تلتقط فيها أنفاسها وتعيد النظر في مشاريعها ورؤاها ، والواقع أن بين 1986و2006 يمكن أن نلاحظ الإختلاف ففي 1986 كانت الحركة ترتبط فيها مع أحزاب تلك الحقبة في علاقة تتميز بمستوى من النضج والتفاعل الإيجابي لكنها شهدت فتوراً كبيراً في المرحلة اللاحقة وضعفاً عاماً ، لكن نحمد الله أن المعارضة في الوقت الحاضر بدأت تبحث عن نفسها وعن نقاط التلاقي فيما بينها إذ أن ما يجمعها من نقاط أكثر مما يفرقها ونأمل أن يتواصل هذا التلاقي إلى مزيد من الإيجابية ، إذ على المعارضة أن لاتنسى أن هدفها هو النظام الذي ما إنفرد بطرف سياسي إلا وضيّق عليه وحاول تدمير بناه التنظيمية وهياكله . فليس على الأحزاب الجادة أن يكون خصمها الأول غير هذا النظام الذي سعى إلى القضاء على الجميع وظل يعتبر نفسه صاحب المنة والفضل كلما سمح لأي حزب بالوجود، فليس للمعارضة الجادة من خصم غير من إعتدى على الجميع وكمم أفواه الجميع ، ولايمكن للتباينات الفكرية والإيديولوجية والسياسية بين المعارضات أن تكون مانعاً للتلاقي والتوحد وللنضال المشترك من أجل تحقيق أهداف مشتركة: حرية التعبير ، حرية التنظم ، حرية التنقل ، الحق في الإعلام وجميع ما تتضمنه القوانين واللوائح الدولية .
بعد عشرين سنة يبدو أن الحركة مُقْـدمة على عقد مؤتمر جديد نتمنى أن يكلل أعمالها بنتائج إيجابية تعيد للحركة صيتها ومكانتها داخل البلاد [2]
توقيت ولادة حركة الإتجاه الإسلامي سنة 1981 يثير لدينا سؤالاً فيما إذا كان إنبعاثها خياراً بلغت فيه الحركة لحظة نضجها واكتملت فيها دورة نموها، أم أن الظروف الأمنية التي وجدت فيها الحركة نفسها قد دعت إلى الإعلان عن تأسيسها.
لعل المستقرأ للواقع الإسلامي يلاحظ أن الإسلام كدين وكدعوة وكفكر و كثقافة ينتشر ويشهد زخم كبير في ظل الحريات والعمل العلني حيث لا تشهد الساحة غير صراع للأفكار، ففي مثل هذه الظروف لا خشية على الإسلام. وسيكون المرء مكابراً لو قال أن الحركة أعلنت عن نفسها سنة1981 بعد إكتمال دورة نموها الداخلي ولم يكن للظروف الأمنية أي دخل . فقد عجّل الوضع الأمني بعض الشيىء في الإعلان عن الحركة ، لكن في ذلك الوقت أيضاً كانت هناك قناعة عامة داخل الحركة أن في أجواء الحريات لاخشية على الفكر الإسلامي في أي موضوع يطرح للنقاش ولعل هذا ما كان قد ذهب إليه إبن حزم في معنى قوله تعالى( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا )[ سورة النساء آية 141 ] فيقول أن السبيل لايعني أن الله لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً مادياً ، ففي التاريخ الإسلامي وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كما في عهد الصحابة، إنتصر المسلمون وإنهزموا ، لكن في إطار الجدل الفكري والحضاري لن يكون للفكر غير الإسلامي أي سبيل على الإسلام فينتصر عليه . بينما في الجانب المادي أصابت المسلمين الهزائم كما غنموا الإنتصار. فـ«السبيل» هنا هو النقاش الذي يدور حول الدين والسياسة والإجتماع والثقافة ، فالفكر الإسلامي لايمكنه أن ينهزم في مواجهة الفكر الماركسي أو الفكر القومي أو غيرهما .. لكن هذا يتحقق في ظل مناخ من الحريات العامة التي تفسح المجال للجميع وليعرض حينها كل صاحب رأي قناعاته وأفكاره بحيث يقوم النقاش بين الطرفين على أساس الحُجة و الحُجة المضادة ، فلاخشية على الإسلام من صراع من هذا القبيل .
Read the rest of this entry »










