You are currently browsing the monthly archive for ديسمبر, 2007.
بسم الله
علا الغبار الأثاث البسيط في مقر فرع الرابطة التونسية لحقوق الإنسان ببنزرت، كما نسجت العناكب بيوتها في زواياه، المكتب المتواضع للرئيس، و الكراسي و بعض الرسوم التي تزين الجدران كلها ضجت فرحا بقدوم هؤلاء الرجال الذين ألفتهم و ألفوها… نظرت إليهم نظرة عتاب و قالت: أكنتم عاجزين على فعل ما فعلتم اليوم طيلة سنتين؟؟؟ أكنتم تنتظرون صحوة وعي و يقظة ضمير ممن لا وعي له و لا ضمير؟؟؟ أكنتم تظنون أن نضالكم من أجل حقوق الإنسان يتوقف على إصدار بيان أو إحياء مناسبة في مكاتب مكيفة الهواء؟؟؟…والله اشتقنا إليكم كثيرا، اشتقنا إلى حديثكم و أنتم تقلبون الرأي لنصرة مظلوم مضطهد أو عامل استغنى عنه رب العمل فأطرده، أو أمرأة رأت أن تلبس ما يناسبها من ثياب أو سجين تعرض للتعذيب… لكن، عذرا عذرا أنسانا الشوق إليكم فقداننا لذلك “العلم” فأين هو؟؟مستحيل أن يكون قد تخلى عنكم و ترككم لوحدكم؟؟ مستحيل أن يتخلف عن الواجب، عن الواجب الإنساني و الوطني و الشرعي؟؟ مستحيل، نعم مستحيل نحن عرفاه و خبرناه، أين هو؟؟؟ بالله عليكم أين هو؟؟ كثيرا ما سمعناه يتنهد و هو يمر قربنا، ينظر إلى الباب نظرة كلها مرارة، بل أصبح أخيرا يغض بصره حياء أو خجلا، يمر قربنا و كأنه يريد أن ينسانا أو بالأحرى أن يتناسانا، لكن رغم المرارة البارزة على محياه فإنا كنا نرى عزما و إصرارا على مواصلة المشوار…أين هو ؟؟ بالله أين هو؟؟؟
“إنه في مستشفى الحبيب بوقطفة”
” في المستشفى” صاحت الكراسي و المكاتب و الأبواب و الرسوم…
” نعم، في المستشفى، أردنا اليوم تقديم التهاني إليه بمناسبة عيد الأضحى و ليس هناك من مكان يسعنا غير هذا المقر، و هو كما تعلمون له”..
” لكن المستشفى: ما دخل المستشفى؟ لماذا هو في المستشفى؟؟؟”
” منعونا كالعادة من الدخول… تصدوا إلينا كما فعلوا في عشرات المناسبات الماضية… لكن إصرارنا اليوم كان أكبر… كثر الاضطراب و التدافع، انهالوا علينا رفسا و ركلا و دفعا”
التفتت الكراسي و المكاتب و الرسوم إلى بعضها متعجبة مستنكرة و صاحت:
“و بعد و بعد؟؟”
في ذلك الخضم، دفع عضروط عم علي بقوة، فأسقطته، و كان التدافع قويا، فرفسوه، فاضطررنا إلى نقله للمستشفى، كثيرا من الكدمات على جسده…
“و بعد؟؟؟”
” رغم حالته الحرجة أخرجوه، أبوا أن يتركوه يعالج في المستشفى…”
ذكر صاحبا ما حدث له في فيفري 2005، كان مضربا عن الطعام، و عند تقله إلى المستشفى الجهوي قرر طبيب الصحة العمومية الاحتفاظ به، لكن التعليمات جاءت صارمة: لا سبيل إلى قبوله في المستشفى … و تراجع الطبيب عن قراره الأول.
” نعم يفعلون ذلك، و يفعلون أكثر منه و أشنع”
” على كل كسرنا الحصار، و دخلنا مقرنا…”
صاح المكتب:
“نعم يحق لكم أن تفخروا، نعم يحق لكم ذلك، فقد عرفتم الطريق لاسترجاع مقركم..
” لكن عم علي…” رد كرسي في أحد الأركان
” عمك علي يعرف الضريبة، ضريبة مخالفة أولي الأمر، عمك علي يعرف بحكم تاريخه الطويل ما ارتكب في حق من عارضوا النظام طيلة خمسين سنة، و مع ذلك فهو وطني مخلص لبلاده، حمل السلاح يوم كان حمله الدليل الأوحد على حب البلاد، و عارض النظام يوم أدرك أن الوطنية توجب عليه المعارضة، بل كذلك الإنسانية توجب عليه أن يعارض، و كذلك الشرع الحنيف يوجب عليه أو يعارض، ألم يحذرنا القرآن من الركون إلى الظلمة و تأييدهم، ألم يقل الرسول صلى الله عليه و سلم “إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”؟؟؟…”
ثم صاحت الأبواب و المكاتب و الكراسي و الرسوم: مرحبا بكم جميعا، مرحبا بك يا لطفي، مرحبا بك يا بشير، مرحبا بك يا فوزي…، مرحبا بكم جميعا، مرحبا كذلك بالوجوه التي هجرتنا حينا من الدهر.. لكن الحمد لله على العودة…. أرأيتم الطريق، طريق العودة إلى مقراتكم… و لكم بعد الآن أن تختاروا بين العودة إليها أو هجرها”….
ملاحظة: هذا ما تم اليوم ثاني أيام عيد الأضحى لسنة 2007 في مدينة بنزرت…
و في مكالمة هاتفية مع عم علي الساعة الثامنة مساء تبين أنه فعلا خرج( أو أخرج) من المستشفى الذي كان قد ضرب عليه طوق أمني يقوده أعلى مسؤولين أمنيين في الولاية: مدير الإقليم و رئيس منطقة بنزرت..
جرجيس في 20 ديسمبر 2007
بسم الله
تقدم يوم 24 مارس سنة 2005 إلى مركز “الأمن الوطني” بجرجيس المدينة و سجل مطلبه للحصول على جواز سفر… و لم يقدر المكلف من أعوان الأمن بهذه المهمة خطر الماثل أمامه على “البلد” و على “الأمن العام” و على “سمعة الدولة” فمكنه من وصل إيداع ملفه لديهم و قد سجل مطلبه تحت رقم 272..
صاحبنا هذا هو محمد بن منصور بن زايد بن قيزة من مواليد الثاني من شهر فيفري 1953 و منت عليه دولة القانون و الموسسات ببطاقة تعريف وطنية رقمها 03429915 و مستخرجة يوم 12 سبتمبر 1994… كان نقابيا في قديم الزمان ثم ابتعد يوم قدر ان التلاعب سيد الموقف و أن عهد النضال قد ولى باختفاء رجاله..هادئ الطبع و لين العريكة لذلك كناه جيرانه و معارفه ب”غاندي”…
صاحبنا كان يعيش حياة رتيبة مقسمة بين العمل و المنزل إلى أن كلن يوم
في هذا اليوم الذي لن ينساه أبدا قدم أعوان أمن إلى بيته بحثا عن أحد أبنائه… و كان ساعتها مباشرا لعمله في أحد النزل بالمنطقة السياحية بجرجيس… هاتفته زوجته معلمة إياه أن الشرطة قدمت إلى المنزل باحثة عن “عبدالغفار”…
عاد السيد بن قيزة بعد العاشرة ليلا من العمل و اصطحب فلذة كبده إلى “مركز الأمن”… ككل مواطن على يقين من براءة ابنه… هناك تظاهروا بسؤاله عن بعض الأشياء في البيت و طلبوا منه الذهاب معهم إلى بيته… و وقع الوالد في الفخ… هل يعقل أن يكون لدى أعوان الأمن أدنى شك في وجود أدنى القرائن في بيت الرجل و لا يبادرون إلى تفتيشه أدق تفتيش ضاربين عرض الحائط بكل القوانين… ذهب معهم… لم يعثروا على شيء… و عادوا إلى مركز الأمن… و قد قضي الأمر… لم يجد ابنه هناك و لم يجد من يمكن أن يدله على مكانه و بقي على تلك الحال متنقلا من مكان إلى آخر و من مؤسسة أمنية إلى أخرى قضائية لكن دون جدوى إلى أن عثر عليه بعد عشرين يوما في سجن العاصمة تونس….
و انقلبت حياة العائلة الرتيبة إلى عمل متواصل من أجل معرفة مكان ابنهم، و بعدها إلى حركية متواصلة بين مكاتب المحامين و الجمعيات الحقوقية و المحاكم و السجون من أجل إنقاذه مما دبر له و لرفاقه و إخوانه…. و في خضم هذا العمل تعرف السيد بن قيزة على عدد هام من المهتمين بالشأن التونسي بعضهم أثناء تنقلاته إلى العاصمة و بعضهم الآخر أثناء زيارتهم إلى جرجيس…
و في شتاء 2005 قدم إلى جرجيس وفد مجموعة المتابعة من شبكة الإيفكس… و أثناء اللقاء تحدث السيد ألكسي كريكوريان الكاتب العام للاتحاد الدولي للناشرين عن إمكانية إرسال دعوة للسيد بن قيزة للحضور في جينيف فعاليات جولة تمهيدية لعقد قمة المعلومات المزمع عقدها في تونس نهاية 2005….
و بناء على ذلك تقدم السيد بن قيزة إلى مركز الأمن قصد تجديد جواز سفره….
و التأمت الجولة التمهيدية الأولى و الثانية و انعقدت قمة المعلومات و أفرج عن ابنه منذ ما يقارب السنتين… لكن جواز السفر لا يزال رهن الاعتقال فمتى تراهم يفرجون عنه؟؟؟؟
جرجيس في 13 ديسمبر 2007
بسم الله الرحمان الرحيم
استجاب السيد الطاهر الحراثي لما دعي إليه من الذهاب إلى منطقة الأمن الوطني بالقيروان.. و هناك قابله أحد المسؤولين… كان الحديث معه هادئا و دون تشنج يذكر… طلب المسؤول من الطاهر أن يحدثه عن التجاوزات التي لاحظها أو بلغته… كان الجواب صريحا… عبر المسؤول بعد ذلك عن رفضه لهذه التجاوزات و أنها لا تحظى برضا إدارته كما لاحظ للطاهر أنه كان من الأولى به أن يتوجه برسالته إلى السلطة سواء الجهوية أو المركزية و لا يتوجه بها إلى الإنترنت لأن في ذلك تشويها لصورة البلد و حطا من سمعته… و لم يفت هذا المسؤول أن يسأل الطاهر عن تجاوزات أخرى لاحظها.. فحدثه الطاهر بما رآه مناسبا…
هذا ملخص ما دار اليوم بين السيد الطاهر الحراثي السجين السياسي السابق و المسؤول الأمني في منطقة القيروان بخصوص مقاله عن صندوق التضامن…
و العجب أن هذا المسؤول عبر بوضوح ان التجاوزات التي ذكرها الطاهر في مقاله و أعادها على مسمعه لا تحظى بالقبول في إدارته… أيعقل هذا؟؟؟ أترتكب تلك التجاوزات دون علمهم؟؟؟ و الحال أننا تعودنا أن “الأمن ” في بلادنا يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، إذ يتفطن إلى نية بعضهم عقد اجتماع في مكان ما في العاصمة فيحاصر ذلك المقر ساعات طويلة قبل الموعد فيجهض اللقاء، و ما حدث يوم الجمعة الفارط للأستاذ العجمي الوريمي دليل كاف على كفاءة “الأمن” في وأد الأحلام، أيعقل إذن أن ترتكب كل تلك التجاوزات في الأرياف و القرى و المدن و “الأعين التي لا تنام” في غفلة عنها؟؟؟ أيعقل أن تتم كل تلك الانتهاكات في المدارس الأساسية و المعاهد الثانوية، و يتعرض لها التجار و الصناعيين و العمال و”الأمن” وحده لا يعلم بها؟؟؟ و هب أن ذلك فيه من الصحة نصيب أيعقل أن تتم في المساجد و الإمام يصيح بأعلى صوته مذكرا المصلين بوجوب التبرع و لم يسمع بذلك أي عون أمن أو أي مخبر في حين يعلم القاصي و الداني ان المساجد في بلد عقبة بن النافع موضوعة تحت المجهر بصفة دائمة و أنه لا يمكن أن يرفع شخص صوته دون أن يجد من ينقل صوته و نبرته و جده و هزله إلى من يهمه الأمر؟؟؟؟
و قلنا و نعيد قولنا إن تشويه صورة البلد مسؤول عنها من يرتكب من الأفعال ما لا يليق حسا و ذوقا و قانونا و قيما… أما من يشهر بها و يفضحها ويرفض الركون إليها فقد أدي بعمله ذاك واجبا وطنيا و شرعيا و قاتوتيا و إنسانيا… و ليختر كل موقعه الذي يريد…..
فأينا الحريص على سمعة البلد وأينا يسعى على تشويهها دون فتور و لا توقف؟؟؟؟
جرجيس في 13 ديسمبر 2007
سم الله
يوم الاثنين الماضي 3 ديسمبر أعلمني أحد الأعوان المكلفين بمراقبتي بأن رئيس مركز الأمن بحاسي الجربي(الذي أرجع إليه بالنظر) يدعوني للحضور لديه، فأجبته بالقول: يبعث استدعاء حسب القانون و أنا على استعداد للذهاب إليه… ولم يبعث الاستدعاء فلم أذهب…
يوم الاربعاء قدم نفس العون المكلف بمراقبتي قائلا هذه المرةكإن رئيس المنطقة( أي منطقة الأمن الوطني بجرجيس و هو الرئيس المباشر لرئيس مركز الأمن بحاسي الجربي) و كانت نفس الإجابة: ضرورة بعث استدعاء للذهاب إليه…
ولم يبعث استدعاء و لم أجب الدعوة…
اليوم الجمعة و عند الساعة الواحدة زوالا( و هي الساعة التي يعرفون أنني أغادر فيها البيت للذهاب إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة استعدوا لإيقافي.. و رغم علمي المسبق بتواجدهم في ” الحي” فإني خرجت في الوقت المعتاد و عند بلوغي الطريق المعبد وجدت ثلاثة سيارات
* سيارة دفع رباعي ميتسوبيشي يقودها في العادة رئيس فرقة الإرشاد
* سيارة كليو على ملكية رئيس مركز الشرطة بحاسي الجربي
* شاحنة بيضاء تعود إلى وزارة الفلاحة و هي على ذمة أعوان الأمن المكلفين بمراقبتي
كل الأعوان في زي مدني…
و مباشرة عند بلوغي الطريق المعبد أسرعت السيارة رباعية الدفع و التي كان يقودها عون الأمن المدعو “فتحي عبدالكبير” و قفوا قربي و نزلوا و طلبوا مني الركوب معهم..
طلبت الاستظار بالاستدعاء…
و كانوا في غاية الوضوح: ليس لديهم استدعاء، و ليس لهم أي مشكلة معي، لكنهم مأمورون باصطحابي إلى مركز الأمن و أن هذه تعليمات مطلوب تنفيذها….استعرضت معهم ما يقول القانون و ان عملهم هذا مخالف له… و عندما طال الحيث، أكرهوني على الركوب معهم…
و في مركز الأمن بحاسي الجربي
حضر رئيس المنطقة و رئيس فرقة الإرشاد و رئيس المركز و تولى الحديث من الأول إلى الآخر رئيس المنطقة بوصفه المسؤول الأول
قال: كان لك حديث في قناة الحوار اللندنية يوم 25 نوفمبر الماضي؟؟
* نعم
* هذا حديث كله أكاذيب و افتراءات و مغالطات
* ذاك حديث كلها حقائق بالحجج الثابتة و الشهود و الوقائع..
* هذا تنشويه لصورة البلد
* الذي يشوه البلد هو الذي يقوم بذلك و يفعله و ليس الذي يتحدث عنه
ثم غير الموضوع فقال:
* لماذا بعثنا لك فلم تحضر
* طالبت باستدعاء حسب ما ينص عليه القانون
* علموكم 4 كلمات تقولونها في محلها و غبر محلها
* الحديث معي الآن خارج الوقت الإداري غير قانوني
* أنا أستاذ في القانون و مجتهد فيه، هناك حالات تلبس و حالات ملاحقة و حالات تحري و حالات مختلفة في بعضها استدعاءات و في البعض الآخر ليس هناك استدعاءات..
* أنا اعتبر كل دعوة للمركز تستوجب استدعاء
غير الموضوع من جديد و قال:
* ما يهمك أنت في الشأن العام حتى تقول ( و قرأ هذه الجملة من ورقة) المشهد السياسي في تونس بزداد انغلاقا و اسودادا و انسدادا و القمع لم يطل الإسلاميين فقط بل طال كل الوطنيين….
* نعم هذا رأيي..
* هل أنت جهة رسمية لتتحدث عن المشهد السياسي في تونس أو حزب أو جمعية؟؟؟
* هذا رأيي كمواطن تونسي و كعضو في جمعية..
* أي جمعية؟؟؟
* الرابطة,
* لا تحدثني عن الرابطة ..هذه مجمدة..
* ……………..
* مطلوب منك أن تكف عن الحديث عن الشأن العام و تتحدث عن نفسك فقط
* كل مواطن من حقه أن يتحدث عن الشأن العام
* تمضي على هذا التنبيه؟؟؟؟
* هل تعطيني منه نسخة؟؟؟
* لا
* إذن كيف تريد أن أمضي على تنبيه لا تمكني من نسخة منه…
و انتهى الموضوع بالشكل المذكور…
عادرت مركز الأمن بحلسي الجربي على الساعة النانيةو45 دقيقة تقريبا..
هذا ما تم اليوم تفصيلا
عبدالله الزواري
abzouari@hotmail.com
بسم الله
في البلدة العتيقة من مدينة سوسة، نهج سيدي عمار تحديدا،و في اليوم الخامس عشر من شهر جانفي من سنة 1960 ولد الابن التاسع و قبل الأخير لعم علي مخلوف، و اختار له من الأسماء “بوراوي” تيمنا بولي صالح لا يبعد عن بيت العائلة إلا بضع عشرات من الأمتار… و شب في بيت عميق التدين… انتمى مبكرا للتيار الإسلامي… والتحق بحركة الاتجاه الإسلامي منذ أواخر السبعينات… و ناله مانال المنتمين إلى الحركة الإسلامية من اضطهاد و تعذيب في العهدين… أوقف مرة أولى سنة 1987 في شهر أفريل، و قضى وراء القضبان سبعة أشهر ليحكم عليه بعد ذلك بعدم سماع الدعوى…
و تعاد الكرة في نفس الشهر من سنة 1991، إذ اعتقل يوم سبعة و عشرين من شهر أفريل، و في المرتين يترك رفيقة دربه المجاهدة الفاضلة زوجته حاملا و يرزق بعد كل اعتقال ببنت…
كنت أسمع عنه دون أن أراه، و لم تكن تربطني به أي علاقة غير “الأخوة في الله” و ما أقدسها من علاقة…. فلم نجتمع مع بعض في أي مناسبة عامة أو خاصة… و أول مرة أراه كانت يوم أربعاء من شهر أفريل 1991، بعد الغروب، و كنت معتقلا منذ يوم 21 فيفري 1991، لكن في العشر الأواخر من شهر أفريل من تلك السنة كنت موقوفا في ضيعة فلاحية بجهة مرناق حسبما اتضح بعد ذلك… كنت ثالث ثلاثة، الدكتور صادق شورو و السيد عبد الكريم المطوي، أخدني أعوان أمن الدولة إلى مقر وزارة الداخلية…و في الطابق الثاني أو الثالث، أدخلني الأعوان إلى قاعة بها شاب ممدد أرضا يرتجف من شدة البرد و عليه “زاورة” مبللة…
” هل تعرفه؟؟؟”
“لا”
ثم توجه إلى الشاب الممدد أرضا:
-”هل تعرفه؟؟؟”
- “لا”..
طلب من الخروج… و أثناء النزول قال لي: “هو بوراوي مخلوف”…
يبدو أن بوراوي لم يمض على اعتقاله إلا بضع ساعات…و يبدو أنه عذب أشد العذاب للحصول على معلومات جديدة…
………………………
و تمر الأيام ثقيلة… ولم نلتق إلا بعد أشهر طويلة…
و سكنا مع بعض في جناح “د” غرفة 6 بجانب الغرفة المخصصة للشواذ… و هناك اقتربت من بوراوي كما اقترب مني… عرفت شابا محبا لإخوانه مؤثرا لهم على نفسه، لا ترهبه التهديدات و لا يخيفه الوعيد… يستقبل الشدائد بثغر باسم، يستطيع نزع مسحة الغضب عنك بنكتة حاضرة… و افترقنا يوم الجمعة 4 سبتمبر 1992، و لم نتقابل بعد ذلك… و عسى أن يكون ذلك قريبا بمشيئته تعالى… خرج بوراوي يومها للزيارة رفقة الدكتور عبداللطيف المكي… حدث ما حدث في الزيارة و اقتيدا مباشرة إلى الجناح المضيق… احتججنا على عدم إرجاعهما إلينا.. و كانت مناسبة للإدارة لتنتقم منا على ما حدث أثناء المحاكمة من إضراب عن الطعام و استغلال تواجد وسائل الإعلام و بعض المنظمات لتبليغهم ما نتعرض إليه من اضطهاد و حرمان من أبسط الحقوق….
……………..
و مضى كل في طريقه…
بوراوي ترك معاذا و مريم لم يدخلا المدرسة بعد، أما سارة فكانت جنينا …
كما ترك عم علي و خالتي حبيبة يرعيان تلك العائلة التي انتزع منها ربها لا لجرم ارتكب غير اعتزازه بدينه، و مشاققة من تجب مشاققتهم شرعا و وطنية….
مضى عم علي إلى ريه راضيا مرضيا و ترك خالتي حبيبة تواصل المشوار… و تلتحق هي كذلك بزوجها بعد بضع سنوات(2001)… ولم يمكن بوراوي من حضور جنازة أي منهما…
…..
و في السجن عرف الأجنحة المضيقة و العزلة الانفرادية في كل من سجن المهدية و مرناق و الهوارب و المنستير و تونس و برج العامري…
و خاض كغيره من مساجين الرأي العديد من إضرابات الجوع مطالبة بتحسين ظروف الإقامة حينا و احتجاجا على مظالم تسلطها الإدارة عليه و على إخوانه أحيانا أخرى…
و لعل من أطول الإضرابات التي خاضها إضراب المهدية و هو إضراب خاضه مع كل من السادة حمادي الجبالي و عبدالحميد الجلاصي و الهادي الغالي و محمد صالح قسومة… و كان الباعث عليه تولي أعوان من فرقة أمن الدولة مراقبة الزيارات في خرق جلي للقانون المنظم للسجون التونسية الذي لا يسمح بدخول السجن إلا لمن ترخص له الإدارة بذلك، فما بالك بتولي عمل به في علاقة مباشرة مع المساجين1.. و دام هذا الإضراب 47 يوما و قد شرعوا فيه يوم 15 ديسمبر 2004…
و الإضراب الثاني من حيث الطول هو إضراب برج العامري و قد شرع فيه مع كل من السادة الصحبي عتيق و الحبيب اللوز و عبدالحميد الجلاصي إثر نقلتهم إلى برج العامري، و دام أكثر من أربعين يوما و شرعوا فيه كذلك في شهر ديسمبر 2003…
أما الإضرابات التي يتراوح طولها بين يوم واحد و بضع أيام فعديدة يصعب جردها الآن…
بوراوي يشكو الآن و بعد 16 سنة من مروره بسراديب أمن الدولة من أوجاع مبرحة في مستوى العمود الفقري.. و قد منعه الطبيب أخيرا من ممارسة أي شكل من أشكال الرياضة، كما أنه لا يستطيع المكث طويلا واقفا أو جالسا…
……………….
بوراوي يخوض هده الأيام إضرابا عن الطعام شرع فيه منذ يوم 13 نوفمبر 2007 لا احتجاجا على ظروف إقامته الرديئة
بل يخوض إضرابه احتجاجا على تواصل المظلمة التي يدرك أصحاب القرار أكثر من غيرهم أن هؤلاء المساجين قضوا زهرة شبابهم في ظلمات السجون لا لذنب اقترفوه يستوجب عقابا بل لتمسكهم بحقهم في التواجد و التنظم و التعبير…
و لم يجد جملة من إخوانه سبيلا لمساندته و تعبيرا له عن أنهم لم ينسوه و أن خروجهم من السجن لن يثنيهم عن مواصلة النضال من أجل حرية كل المساجين بداية من الأستاذ الصادق شورو و الشاذلي النقاش مرورا يالهادي الغالي و البشير اللواتي و رضا البوكادي و انتهاء بكل المظلومين و المضطهدين بموجب قانون الإرهاب السيء الذكر إلا التضامن معه بدخولهم في إضراب مساندة يدوم يوما واحدا2..
و لم يفت البعض من أفراد عائلته-رغم تأخر الإعلام- المشاركة في هذا الإضراب فهذه زوجته تشارك في هذا الإضراب الرمزي، و كذلك أخوه سليم و شقيقتاه منجية و بواروية…
فتحية لهم جميعا، تحية إكبار و تقدير…
و تحية إلى بوراوي الذي لم يستعجل أمر ربه فنزل عن فرسه…
و تحية إلى كل المجاهدين في أي من جهتي القضبان كانوا….
بلا تأشيرة برنامج اسبوعي يستضيف شخصيات ظروفها إستثنائية
الجزء الأول
الجزء الثاني










