الجولة /القافلة التاسعة

في اليوم الثامن: من جانفي-يناير 1995 وعلى الساعة السابعة و النصف صباحا تقريبا، تقدم كوكبة من أعوان السجن المدني بالمهدية إلى الجناح المضيٌق، محدثة جلبة و ضوضاء، تمتزج فيها فرقعة أحذيتهم العسكرية و صلصلة المفاتيح التي يعبثون بها و يقرعون بها الأبواب تارة أخرى، يقف أحد الأعوان أمام الزنزانة الرابعة، يفتح كوٌة المراقبة في أعلى الباب، ينتظر برهة حتٌى لا تصدمه الرائحة الكريهة المنبعثة منها ثم ٌ يتقدٌم نحوها، يشعر السٌجين بكل ذلك فيتحرٌك قليلا في إشارة للحارس بأنٌه لا يزال على قيد الحياة، و يتجنٌب بذلك صياحه وضجيجه وضربه الباب بحذائه العسكري، لكنٌه مع ذلك لم يغلق الكوٌة بل صاح بغلظة فيها كثير من الاصطناع: فلان بن فلان الفلاني؟ فيجيبه السجين: » نعم«… فيسأله عن رقمه وقضيته، وبعدما يستمع إلى إجابته ويتثبت منها يأمره بنفس تلك اللهجة »..أيا تقاعد..«

كان البرد قارسا في تلك الأيام…ينهض السٌجين مرتجفا، يلقي شطر زاورة وسخة تشبه قطعة من اللوح الرقيق(contre plaquée) تكرٌموا بها عليه فاتخذها فراشا وغطاء، إن غطٌى رأسه تعرٌت رجلاه، وإن غطٌى رجليه تعرٌى رأسه، فتنهشه في كلٌ حال سهام البرد و الزمهرير، ينزل من السدٌة الإسمنتية، فتلسع أرضية الزنزانة قدميه الحافيتين، وتنتابه سلسلة من العطاس ولا من مشمٌت في هذا المكان، يمسك بإحدى يديه طرفي جمٌازة فقدت لونها كما فقدت أزرارها منذ أمد، وعشٌش فيها القمٌل فباض وفرٌخ، و باليد الأخرى يمسك قارورة انتصفت…يتبوٌل فيها شأنه شأن المحظوظين من المعاقبين وقارورة أخرى مخصٌصة لماء الشرب يتٌخذها وسادة إن أفلح في الاحتفاظ بغطائها ولم يتفطٌن له الحارس…

فتح الحارس الباب، لمح القارورتين فصاح:» لوٌح الدبابس واخرج«.

كان يوم الأحد هذا هو اليوم السابع من العقوبة التي يقضٌيها سجيننا في الحبس الانفرادي و المضيٌق، و التي لن تقل أبدا عن عشرة أيٌام في أفضل الحالات، وبقطع النظر عن التهمة أو التهم الموجٌهة إليه وعن وجاهتها ومدى ثبوتها أو كيديتها…

وضع صاحبنا القارورتين بلطف خشية أن يكبٌ البول، لكن الحارس نهره طالبا الإسراع بالخروج، تجاوز الباب بقليل، و استرق النٌظر إلى اليمين، نحو باب” السيلونات”.

»هل أكون طعام وليمة لهؤلاء في هذا اليوم شديد البرد؟ لكن ما التٌهمة التي يمكن لهم أن يوجٌهوها إلي الآن؟ هل تكون تلاوتي للقرآن في صلاة العشاء أو الصٌبح مرتفعة بعض الشٌيء فأزعجتهم؟ أم تراهم استمعوا إليٌ في غفلة منٌي وأنا أترنٌم:

“يطلع الدجال ل بزيفه
يملأ بحر النيل ضباب
ينزل الدٌجٌال بسيفه
يزرع الموت والخراب
يطول الليل زي كيفه
الصٌباح ليه ألف باب…”
أم…أم…آه..إنٌهم غير مجهٌزين بأدوات العمل.. لأتثبٌت… نعم ليس معهم الكلاب وليس معهم تلك الهراوات السوداء اللٌعينة و ليس معهم…….«
كانت تلك الهواجس تزدحم في مخيٌلته عندما انتهره الحارس من جديد:
” أين ثيابك؟ “
” في السيلون 6 “
توجٌه العون نحو الغرفة المذكورة، فتح الباب و أردف:
” بسرعة، بسرعة، البس ثيابك. “

كانت الأدباش مكدٌسة و أخرى مبعثرة هنا وهناك، و كانت ظلمة المكان شديدة لم تستطع أشعةٌ النور الطبيعي المتسلٌلة إلى هذا الجحر أن تبدٌد شيئا منها، بعد التثبٌت والتدقيق في قطع الثٌياب المتناثرة، التقط ملابسه و توجٌه نحو ركن السيلون ليتحاشى نظرات العون إليه وهو ينزع لباس العقاب، لكن العون تقدٌم قليلا نحو الباب بحيث يواكب عملية تغيير الثياب، متظاهرا بأنٌه سيبيح بسرٌ خطير وهمس:

” قافلة، قافلة، إنٌك سنقل إلى سجن آخر، اترك المشاكسة واكتف بشؤونك الخاصٌة، الكف لا تستطيع أن تتحدٌى الإشفى…”

رفع صوته قائلا:
” هيٌا بسرعة، أين بقيٌة أدباشك؟ “
“ألمح البعض هنا “
” الكلٌ هنا إذا، هيٌا بسرعة، أخرجها بسرعة، ضعها أمام السٌلونات..”
بدأ صاحبنا يفرز أمتعته و إذا بعض الجرذان تنطٌ من هنا وهناك، و إذا بكبير الجرذان يتٌجه بسرعة نحو الباب فينزعج الحارس و يقفز إلى الوراء صارخا:
” ما أكبر والديه !”
آه، لو كان يعلم هذا العون أن بعض الجرذان قد أصبحت صديقة حميمة لبعض السٌجناء الٌذين ارتأت الحكمة الإدارية، و بناء على المصلحة العليا للدٌولة، و تكريسا لحقوق الإنسان حسب الرؤية التونسية، و محافظة على سلامة الوطن، و عملا بما تقتضيه العهود و المواثيق الدولية، ارتأت الإدارة إيواءهم بأجنحة العزلة المغلٌظة، بحيث لا يرى سجناء آخرين حكم عليهم معه في نفس القضيٌة أو مثيلاتها فحسب، بل إنٌه لا يرى هنا أحدا يمكن أن يبادله الحديث أو يقاسمه شجونه حتٌى من مرتكبي أشنع الجرائم…آه، لو يعلم…بعهدتهم لا سيما وأنٌهم يفتٌشون أمتعة سجين من ذوي الصبغة الخاصٌة، ممٌا يجعل كلٌ خطأ أو هفوة، يمكن أن تحدث جريمة لا تغتفر بل تعدٌ تواطؤا مع السٌجين وتعاملا معه يقتضي الإيقاف و التٌجريد.أمٌا رئيسهم فكان على عجل ممٌا دفعه إلى مخاطبة السٌجين قائلا:

” ألم نفتٌش أمتعتك هذه يوم الاثنين الماضي؟ “

” نعم، نعم فتٌشناها يوم الاثنين، هذا الذي وجدنا عنده شفرة حلاقة جديدة في المصحف.”

هكذا أجاب أحد الأعوان دون أن ينتظر إجابة السٌجين الذي اكتفى بابتسامة ساخرة، ثمٌ أشاح بوجهه عنهم ليتابع عملية التفتيش فإذا بالمسؤول ينتهره قائلا:

” اذهب إلى الكتابة لإتمام الإجراءات، هيٌا بسرعة.”

خطا صاحبنا بعض الخطوات متثاقلا، كلُ شيء يمكن أن يحصل في غيابه، بل حتٌى في حضوره، يمكن أن توضع شفرة حلاقة مثلا بين أمتعته كما حدث في بداية الأسبوع، كما يمكن أن تؤخذ الرٌسائل أو وصولات التزوٌد من مخزن السٌجن أو بعض الأقلام أو..لكن الكلٌ صفٌ واحد، الكلٌ لا يكذب، لا يكيد، لا يسرق، لا يغالط، لا يتآمر، نعم كلٌهم أجمعون، من السٌجين المضطهد من الحقٌ العام المكلٌف بالتٌنظيف أو حمل الأمتعة، أو العامل في المشرب أو المطبخ..إلى المسؤول الأوٌل عن المؤسٌسة، قد ُيََتَكَرٌم على سجين بأمتعة سجين آخر، سجين مغضوب عليه وآخر ضعيف، مستلب، مستغلٌ، تستعمله الإدارة في مختلف الأعمال القذرة التي تريد القيام بها.