ٍ بسم الله الرحمان الرحيم

وراء القضبان، بدأت هذه الحوارات، في الغرفة على اكتظاظها حينا، و في ساحة الفسحة على ضيقها أحيانا أخرى، مع تلطٌف تقتضيه الحال، كما تقتضيه خسٌة ما كنت احسب أنها بلغت هذا المبلغ عند بعضهم من أبناء الجنوب، فان كان غيرهم يتٌخذ الوشاية مطيٌة لتحقيق مصالح و الوصول إلى غايات قد تكون تافهة، فإنهم هنا قد اتٌخذوها هواية، و تسابقوا إليها مجانا، ولم يخجل بعضهم من ” قذف ” نفسه بها.

و قد يتساءل البعض لمَ مثل هذه الحوارات؟ ما نفعها؟ ألم نجد من نحاور غير المساجين؟ أضاقت علينا الدنيا لنقرأ أحاديث مع هؤلاء؟
و لعل أول ما يمكن الإجابة به أن هؤلاء لا يقلون أهمية عن الفنانين الشعبيين و لاعبي كرة القدم في الدرجة الثالثة أو الرابعة و غيرهم كثير من الذين تخصص لهم بعض الجرائد نصف عدد صفحاتها تقريبا، ثم ألا يوجد بين المساجين من له درجة من الوعي و العلم تجعله مؤهلا للخوض في كثير من القضايا قبل غيره؟ و أعني بهذه القضايا ما يتعلق بالسجون و إصلاحها، و حقوق السجين و واجباته، و الواقع السجني و كيفية النهوض به، فضلا عن وجود من يمكن الاعتداد برأيه من أصحاب الكفاءات وراء القضبان. أليس من صميم الإصلاح اعتبار السجين مواطنا مؤهلا للإدلاء بدلوه في شأن، إن كان يهم غيره، فهو به أوْلى؟ و إن كان الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، رحمه الله، قد استنجد بأحد “فطايرية” زمانه لمعرفة عدد “الفطاير” الممكن صنعها بكيس من القمح اللين”فارينة” عندما تحداه أحد أصدقائه من علماء اليهود بأن يجد في القرآن الكريم القائل” ما فرطنا في الكتاب من شيء” إجابة عن سؤاله، أفلا يعتبر المساجين من أولي الذكر عند الحديث عن السجن واقعا و آفاقا؟ ألا يجب علينا جميعا التخلص من النظرة الدونية إزاء فئات عديدة من مجتمعنا بدءا بالمساجين و المهمشين و الأميين و الحرفيين..؟ و كم وددت أن أتمكن من محاورة نماذج شتى من المساجين، بقطـع النظر عن قضاياهم و عن أعمارهم و مستوياتهم التعليمية و الاجتماعية، لكن “الإدارة” لا زالت تحول دون ذلك، و تعتبر مجرد تبادل الحديث بين سجين رأي وسجين حق عام من المحظورات/ المحذورات التي تغض عنها الطرف مكرهة، و لا تتوانى عن التفريق بين المساجين بتعلات مغلوطة إذا رأت، أو بالأحرى إذا أُبلغت، أن صلة بين سجين رأي و سجين حق عام بلغت من المتانة بحيث أصبحا يقضيان فترة مهمة من الوقت مع بعض يتبادلان الرأي أو يقومان ببعض الأنشطة الفكرية أو الترفيهية أو الرياضية معا أو يتبادلان الطعام و بعض الحاجيات اليومية الأخرى. أما إذا بلغ الأمر إلى إقـامة الصلاة و صيـام التطوع و حفظ القرآن و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و المطالبة بمتابعة بعض البرامج الهادفة في التـلفزة، فقد بلغ السيل الزبى، و لابد من تدخل حـاسم و سريـع، يعيـد ” الأمور إلى نصابها”. هذا في الوقت التي تغض فيه النظر عن العلاقات المشبوهة بل توفر لها الظروف السانحة و تيسر إقامتها و ربطها.

و إن كان سجناء الرأي، مهما قل عددهم، يمثلون دائما مأساة شعب ونقطة سوداء في تاريخ البلاد و خزيا و عارا على الأنظمة الحاكمة و دليلا كافيا على الاستبداد و القهر و غياب الحوار و انعدام التسامح، فإن كل سجين من الحق العام يمثل مأساة في حد ذاته، يكفيك شيء من رحابة الصدر و حسن الاستماع مع كثير من الثقة في حفظك لأسراره و سترك لعيوبه و نقائصه حتى يفتح لك مكنونات القلب و خوالج النفس فتطلع على العذاب و الجحيم الذي يتخبط بين براثنه وتجد لديه من الاستعداد ما يشجعك على انتشاله من ذلك المستنقع الآسن.

كل ذلك شجعني على الاقتراب منهم و التلطف معهم و الاستماع إليهم و محاورتهم تخفيفا من وطأة السجن عليهم و فتحا لآفاق رحبة تشعرهم بأن لهم من الأهمية ما ليس لغيرهم للنهوض ببلدنا و التصدي لمصاصي الدماء وناهبي الثروات و فاقدي الضمائر و المستكبرين في الأرض. فكانت هذه الحوارات عفوية في منطلقها ثم آلت إلى ما هي عليه، فشملت من استطعت محاورته من سجناء الرأي و عامة السجناء عساني بذلك قد أبلغ أصوات من لا صوت لهم بل أصوات تعمل الإدارة جاهدة للحيلولة دونها و الرأي العام و المهتمين بحقوق الإنسان و الغيورين على هذا البلد و المخلصين له. ألا يكون الأجدر، و الأكفأ كذلك، بتبليغ أصواتهم و التحدّث باسمهم، و معرفة آمـالهم و آلامهم سجين مثلهم اكتوى بمثل ما اكتووا به من قهر و تسلّط، فعذّب كما عذّبوا، وعنّف كما عنّفوا، و جوّع كما جوّعوا، و أهين كما أهينوا، وذاق من التعسف ألوانا كما ذاقوا، و أبعد عن أحبّته كما أبعدوا، و حرم من احتضان فلذات كبده لسنوات طويلة كما حرموا، و استنسر عليه البغاث كما استنسر عليهم، و عانى من الاستفزازات و المضايقات و تحمّلها كما عانوا هم و تحمّلوا، و أحسّ بلسعات البرد في السيلونات كما أحسّوا، و هناك اقتسم مع الجرذان خبزه اليابس كما اقتسموا، أما أولائك الذين يجلسون على كراسيهم الوثيرة في مكاتبهم المكيفة، و يدخنون سجائرهم المستوردة في انتظار من يستنجد بهم لرفع مظلمة مسلطة على حبيب أو قريب أو عزيز، ثم ينظرون في تلك الصيحات و الاستغاثات أتتلاءم مع خططهم و تندرج ضمن برامجهم أم تعارضها، فيقررون على ضوء ذلك ما يناسبها، بل ما يناسبهم، فليعلم هؤلاء أن تردي حقوق الإنسان يرجع في جزء منه إليهم و إلى تصورهم لهذا العمل و كيفية الدفاع عن هذه الحقوق. و لا تزال فكرة بعث مرصد للسجون و المساجين تراود المرء فعساها ترى النور يوما (1)………

و مع ذلك وددت أن أحاور مستهلكي المخدرات و مروجيها ومستعملي الأقراص المخدرة و اللاهثين وراء الحصول عليها، كما وددت محاورة مروجي العملة المزيفة…. و ما أكثرهم! وددت محاورة سرحان و الزين و أخيه عميرة و هولاندة و هوندا و بيجو و ولد الحصان و ولد البهيم و البغل و الكبش و السردوك و الفروج و فلوسة و خنفوس و جريّنة و الفار و الزرقة و الكحلة و الروج و قرط و بصيلة و معدنوس و كسكروت و فرنك و فرانكو و فرنسيس و لازيرازو والترجي و بوناب و بوعكاز و عنف و لام و ولد اللبة و ولد الماجري و ولد عيشة و شالوم و ريمي و تورغت و ططو و غيرهم كثير. لكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه…. فكان هذا العمل بين يديك عساه يقدم صورة صادقة عن واقع السجون التونسية كما هو دون “رتوش” ودون مبالغة …

—–
(1) انظر مقال: العفو عن العفو من العفو أواخر مارس 2003