بسم الله الرحمان الرحيم
هو كاتب عام نقابة أساسية للتعليم الابتدائي بمارث، كما انه من المبادرين بتكوين ” جمعية أحباء المكتبة و الكتاب بمارث” التي لم تمكن من الترخيص الإداري لمباشرة نشاطها رغم تواجد عدة عناصر تجمعية ضمن هيئتها التأسيسية، وقد تقدم المبادرون بمطلبين في الغرض، أحدهما قبل 7 نوفمبر 1987 و ثانيهما بعده، و كان مال المحاولتين واحد. وهو من المبادرين أيضا بتأسيس ” جمعية قدماء المدرسة الابتدائية بدخيلة توجان” التي لم يرخص لها في النشاط كذلك رغم وجود ثلاثة عناصر من اللجنة المركزية للتجمع و أعضاء من جامعة مارث لنفس الحزب و رؤساء شعب تجمعية ضمن هيئتها التأسيسية، و عضو لجنة” مهرجان المرقوم بدخيلة توجان” في دورة 1989، عضو لجنة ثقافية محلية بدخيلة توجان في88 ـ 89.
أما نشاطه الحزبي فنكتفي بذكر أنه كان عضو مجلس جزء دار المعلمين العليا بتونس سنة 81 ـ 82 و عضو مكتب الدراسات بمنطقة قابس من 83 ـ 86 و ضمن القائمين على مشروع الاولويات في نفس المنطقة، و عضو مجلس جهة مارث منذ سنة 1986.
1)هل دار بخلدك يوما أنك قد تكون وراء القضبان؟
بل كنت متـأكدا من أني سأكون من نزلائه منذ بداية مشواري في العمل السياسي لان القناعة قد استقرت بان النظام الذي أواجهه نظام دكتاتوري و استبدادي من أشرس طراز وأردئه، لايمكن أن يقبل أي منافسة جدية وأي احتكام نزيه لصندوق الاقتراع، لأن مثل هذا الاحتكام مؤذن بضرب كل المصالح الشخصية لقياداته و المتمعشين الذين يدورون في فلكه، ولأن إسناد الأمر إلى أبناء الشعب و الغيورين عليه و إلى الوطنيين الصادقين و المخلصين الذين ارتفعوا شهداء في حوادث 9 أفريل 1938 مطالبين ببرلمان تونسي وقبل ذلك التاريخ مثل أحداث الجلاز والتراموي و بعده والذين قضوا في أحداث الخبز 1984 و في إضرابات ديسمبر 1977وجانفي 1978… وكيف لا يخطر ببالي دخول السجن ، و هامش الحريات يزداد ضمورا و تقلصا مع رجال سبعة نوفمبر رغم كونهم امتدادا طبيعيا للنظام السابق بل ترسيخ له مع تراجع جلي في أبرز مكاسب الحقبة البورقيبية و مفاخرها، مثل هامش الحريات الذي كان متاحا، فأين تلك الصحف التي نشطت الحياة السياسية و كانت متنفسا لكل احتقان سياسي و كانت تنشر و تتابع أنشطة كل المكونات السياسية للمجتمع على اختلاف تصوراتها و منطلقاتها، أين جريدة الرأي و المغرب العربي و المجتمع و المستقبل و المعرفة و غيرها؟ أليس من المضحكات المبكيات أن تكون الأحزاب السياسية قادرة قبل عشرين سياسية على إصدار صحفها رغم الإيقافات المتعددة و الخطايا المالية التي يحكم بها عليها ثم تصبح عاجزة عن فعل ذلك في عهد التغيير و الحال أن لها نواب في البرلمان و تتمتع بمنحة بعشرات الآلاف من الدنانير و مساعدات أخرى مختلفة تشجيعا لها على إصدار صحفها أو القيام بدورها في مسرحية الديمقراطية و حرية الإعلام في العهد السعيد، بل إن الصحف اليومية لم تكن تتردد في نشر بيانات الحركات المختلفة المتواجدة على الساحة بقطع النظر عن قانونيتها من عدمها. هذا بالنسبة للإعلام، كما وقع ضرب بعض المكاسب النقابية مثل حق الاجتماع في مواقع العمل بل وقعت محاولة تدجين الإتحاد، وهو من أبرز مفاخر الشعب التونسي، و كان النجاح في ذلك إلى حد بعيد بفعل تواطأ بعض قياداته، فرغم تدهور المقدرة الشرائية للمواطن و ارتفاع المعيشة واستفحال ظاهرة الطرد التعسفي نتيجة لسياسات الخوصصة و التأهيل… فإن عملية إحصائية بسيطة قد تثبت إن عدد الإضرابات التي شنها العمال منذ “التغيير”إلى الآن لا يتجاوز عدد الإضرابات التي كان يشنها العمال في سنة واحدة قبل ذلك التاريخ، ومغالط لنفسه و لغيره من يزعم أن مرد ذلك راجع إلى التفاعل الإيجابي بين الأعراف و السلطة من جهة و الكادحين من جهة أخرى، و لعله من نافلة القول هنا الإشارة إلى أن حرية الصحافة أصبحت مقتصرة بل إن حق التونسي في الإعلام اختزل في إعلامه عن التراجع عن الإضراب أو في أحسن الحالات في إعلامه عنه بعد وقوعه، مع فسح المجال لسلطة الإشراف فسيحا لتشويهه وتشويه المضربين وقلة المنخرطين فيه، و إن كلفت وسائل الإعلام العمومية أو الرسمية مشقة تغطية أنشطة الإتحاد فإن ذلك يقتصر على إحياء المناسبات( اغتيال حشاد…) أو بعض استقبالات تجديد الولاء، أما الهيئات الإدارية الساخنة وتجمعات ساحة محمد علي…. فلا يجدر بالتونسي الإطلاع عليها. و انظر كذلك إلى مجانية التعليم و إجباريته…
2 ) الصورة التي كانت منطبعة في ذهنك عن السجن: هل وجدت في الواقع ألسجني ما يرسخها أو ما يناقضها؟
كنت أحسب إنه سيكون أفضل مما هو عليه لأن الذين عاشوا تجربة السجن في العهد السابق و بقطع النظر عن خلفياتهم الفكرية من ماركسيين أو قوميين أو إسلاميين تحدثوا عن ظروف إقامة و معاملة أحسن مما عايشنا الآن بكثير و أستطيع أن أقول إن ذلك التراجع أو بالأحرى ذلك التردي إنما هو متوافق مع ما شهدته البلاد عموما بعد 7/11 من ترد و تدهور في العمل السياسي و في مجال الحريات و حقوق الإنسان جملة و تفصيلا، مع التأكيد هنا على أن هذا الكلام لا يعد تزكية للنظام في نسخته الأولى لكن المقارنة بين النسختين تبرز أن النسخة الأولى أقل سوءا و فظاعة من الثانية. كما أستطيع أن أسحب ما يقال عن السجن و المعاملة فيه وظروف الإقامة على ما يقع في مراكز الإيقاف… و قد كانت لي تجربة أولى حين أوقفت في شتاء1981( يوم الأربعاء 18 جانفي تحديدا) إثر الأحداث التلمذية و الطالبية التي عمت البلاد و رغم انتقالي من فرقة إلى أخرى ( الفرقة السابعة – أمن الدولة – فرقة العمران) فلا وجه للمقارنة بين أساليب التحقيق التي كانت مستعملة آنذاك مع ما حد ث في التسعينات. و لا بد هنا من الإشارة إلى أن شأن السجون كان أفضل بكثير مما هي عليه الآن رغم عدم وجود نصوص قانونية تنظم حياة السجين داخلها و تثبت حقوقه و واجباته… و هذا ما يؤكد أن تلك النصوص إنما وجدت للديكور و الدعاية لا غير….
3)السجون بين ما تسمعه في الإعلام الرسمي و الواقع ؟
“شتان بين الثرى و الثريا” و استئناسا بالمثل الشعبي الذي يقول”كل حلاف كذاب” فإني أضيف أن كل من يكثر الحديث في موضوع ما بمناسبة و بغير مناسبة فإنه يعلم أن المستمعين غير مصدقين له لكن شأن الإعلام شأن عظيم في قلب الحقائق وتزيين البشائع، ألم يقل أجدادنا” كلمة الصباح و كلمة العشية ترد المسلمة يهودية”
4)هل تشعر انك أهنت في مرة من المرات؟
الإهانة هي الخبز اليومي للسجين و الإذلال هو الماء الأجاج الذي يجرعه السجين كل حين، و أجزم أن أي سجين في تونس مهما كانت قضيته و مهما علا شأنه يكون كاذبا إن زعم أنه لم يتعرض للإهانة و الإذلال، و يكفي أن نعلم أن تلفزتنا الموقرة لم تجد في الأربعين ألف سجين الذين يملؤون سجون التغيير من يمكن الاطمئنان إلى محاورته في ملف تلفزي غير شاب تونسي قضى كامل عقوبته في السجون الفرنسية( نعم الفرنسية) حيث لا مجال للمقارنة بين السجون هنا والسجون هناك ولا بين السجانين هنا و السجانين هناك… و من مظاهر الإهانة ما يقع في مختلف السجون من تجريد السجين من ثيابه كلها قبل مقابلة المحامي و بعدها رغم أن هذه المقابلة تقع تحت المراقبة اليقظة للأعوان، كما يتم نفس الشيء قبل الذهاب إلى المحكمة و بعدها و قبل زيارة العائلة و بعدها رغم وجود حاجزين يفصلان بين السجين وذويه، ألا يعتبر الخضوع إلى هذا الإجراء البشع المعروف ب”طبس كح ” و حرص الإدارة على ممارسته نهاية الإذلال و الإهانة؟
5) ألا يوجد في السجن ما نال إعجابك أو أثار حفيظتك؟
إن كان معنى الإعجاب هو الاستحسان فلا شيء يستحسن داخل السجن حتى وجود العدو فيه، و إن كان الإعجاب من الغرابة فالغرائب كثيرة مثل أنواع العقوبات و أسبابها و أنواع العلاقات بين النزلاء بعضهم بعضا وبين النزلاء و السجانين…فالعلاقة بين المساجين مؤسسة على المصلحة الآنية لا غير، لذلك قد يقع الانقلاب عليها في أي وقت و لأتفه الأسباب، و يعلل ذلك بخصوصية السجن الذي تقتضي، حسب هؤلاء، تصرفات لا تخضع لا للمنطق و لا للمبادئ ولا للقيم و لا حتى الشهامة و لا حديث هنا عن الشرائع…و من الصنف الثاني فإن العون في العموم لا يتردد في ابتزاز السجين ليقدم له أي خدمة، و لا غرابة أن يسمح بعضهم لنفسه أن يختلس من قفة السجين أو حتى من الوجبة الني تقدم إليه خصوصا عندما تكون “مزهمة” أي فيها شيء من اللحم أو السمك… ويكفي أن أذكر هنا من اشتهر باسم كسكروت و آخر بملوخية و آخر ببسيسة… و حدث في هذا المجال و لا حرج عن ابتزاز المديرين للمساجين و كمثال على ذلك سليم غنية الذي أوهم سجينا بإدراج اسمه في قائمة التأهيل مقابل 2000 دينار، و لعل مدير السجن الذي وافاه الأجل سجينا يمثل النموذج لمديري السجون في بلادنا، و لو سئل هؤلاء ذلك السؤال الخالد” من أين لك هذا” لأدين الكثير منهم.
6) ما هي أقسى اللحظات عليك في السجن؟
أقسى اللحظات فيه هي وقت التعداد لأنه دليل كاف على استحالة ألذات البشرية إلى مجرد رقم و لعل مقارنة بسيطة بين الراعي الذي يتفقد أغنامه أو أبقاره و بين العون الذي يقوم بعملية التعداد تبرز مدى فقدان الآدمي لكرامته، فالراعي يتفقد أبقاره و قبل أن بغلق عليها الإصطبل تراه يتثبت من جوعها و عطشها و مرضها أو شبعها و ارتوائها وصحتها، كما يتثبت من نظافة الإصطبل وحرارته، ولا شك أبدا أنه لن يغادر المكان حتى يطمئن على حالها و يتدارك النقص إن كان هناك، أما العون فإنه يعتبر مجرد توفر العدد المطلوب كافيا ليرجع إلى بيته مرتاح الضمير خالي البال و إن ترك المساجين جياعا عطاشا مرضى….
7) ما هي أبرز الظواهر السلبية في الحياة السجنية؟
أبرزها الشذوذ الجنسي و لعل التراتيب السجنية الحالية هي التي تعمل على تكريس هذه الظاهرة المرضية، مثل عدم وجود غرفة خاصة بالشواذ في كل السجون( باستثناء سجن العاصمة وسجن الهوارب)، الاكتظاظ المهول في كل السجون و ما اصطلح عليه “بالنوم في الاثنين” أو “النوم راس و ذنب”في فراش فردي واحد، عدم التصنيف الصارم للمساجين، تكليف من اشتهر بهذه الممارسة بمهام داخل السجن (مثل ناظر غرفة وناظر الدوش) وهو ما ييسر لهم ابتزاز المساجين و الاعتداء عليهم… و بذلك تستقر الحلقة المرعبة لهذا المرض، فإن المساجين كبار السن و المعيدين منهم يستغلون عوامل مختلفة ( تجربتهم السجنية، معرفتهم بالأعوان، صيتهم و غطرستهم…) لابتزاز صغار المساجين و المبتدئين منهم و الاعتداء عليهم و ما يلبث هؤلاء أن يعتدوا على الأصغر منهم و هكذا دواليك… و هنا تجدر الإشارة إلى كثرة الجعجعة عن حقوق الإنسان عموما وحقوق السجين خصوصا مع تجاهل جلي لأبرز الحاجات البشرية وهي غريزة الجنس وهي مكبوتة تماما في إطار القانون مما فسح المجال واسعا لتصريفها في الممارسات الشاذة مثل العلاقات المثلية و الاستمناء و الفحش اللغوي… و رغم أن دولا عربية و إسلامية، نحسب أنفسنا أفضل منها في هذا المجال، مثل ليبيا و السعودية و إيران قد أقرت تمكين السجين من إشباع هذه الغريزة الإنسانية بالسماح بالزيارات العائلية كما أقرت دول أخرى غرف الحب في سجونها حيث تزور الزوجة زوجها و يمكنان من الاختلاء ببعضهما لمدة معينة… و إن كان ذلك لا يعتبر حقا أو حاجة للسجين في المقاربة التونسية أفلا يكون من حقوق الزوجة(المرأة) إشباع تلك الحاجة مع زوجها السجين أم نشجعها على إشباعها على الأرصفة و في أوكار البغاء… وليعلم من لا بعلم أنه يوجد في بلادنا من لم يلمس يد زوجته منذ أكثر من عشرين سنة و تقع الزيارة تحت سمع الأعوان و بصرهم، يراقبون كل الحركات و الإشارات و يستمعون إلى كل الكلمات رغم وجود حاجزين يفصلان السجين عن زواره و في ذلك ما فيه من تجريد للسجين من أبسط ما تبقى له من إنسانية متمثلة في المشاعر الحميمية و التعبير عنها لزوجته… ومع ذلك وبكل وقاحة يتحدث قانون السجون عن المحافظة على الروابط العائلية…
8) هل تمكنت من تنمية قدراتك المهنية أو العلمية طيلة إقامتك في السجن؟
لا أبدا. بل القدرات العلمية والمهنية قد تراجعت و تقلصت بفعل عملية التجهيل المطبقة بحزم حيث حرمت الإدارة كل الكتب العلمية و الأدبية و المدرسية بل إن المصاحف في حد ذاتها ممنوعة، و هذا لم يقع في أي بلد في العالم، هل سمعت أن نظام حكم منع الكتاب المقدس عن السجناء في بلده؟ أنا شخصيا انتزع مني مصحفي يوم 30 أفريل 1994 بالقصرين تحت إدارة سليمان حسنون و لم أتحصل على مصحف آخر إلا بعد إضراب عن الطعام دام تسعة أيام و كان ذلك في جوان 1995 بسجن برج الرومي تحت إدارة بلحسن الكيلاني، فقد بعثت لي عائلتي مصحفا في طرد بريدي لكن الإدارة رفضت تسليمه لي فاضطررت إلى الإضراب، كما أني لم أتحصل إلى حد الآن على مصحفي الذي حجز في القصرين رغم مطالبتي به مرارا وتكرارا، لكن لا حياة لمن تنادي، علما كذلك بأنه لم يوضع ضمن أشيائي المؤمنة لدى الإدارة، و من المضحكات المبكيات أنه في بلد يرفع ساسته شعار التعليم مدى الحياة و مجتمع المعرفة و الجامعة المفتوحة و الجامعة الافتراضية و فتح الأفاق و هلم جرا من هذه الشعارات الجوفاء أجد نفسي مضطرا إلى شن إضراب جوع تواصل أربعين يوما(من يوم 10نوفمبر 2000 إلى يوم 20 ديسمبر2000) من أجل الحصول على كتاب مدرسي في مادة الإنكليزية، و هذا غيض من فيض…
9)ألآن و قد عرفت السجن و قضيت به ربيع عمرك و زهرة شبابك هل يمكنك أن تعود إليه؟
ما دام هذا النظام قائما فالعودة إليه واردة في كل حين لأني لن أتخلى عن معركة الإنعتاق و الحرية التي انطلقت منذ زمان، كما لا يمكنني أن ألعب دور بيدق لا مشيئة له، و لا يمكنني أن أجامل على حساب المبادئ الخالدة لديننا مثل حق التعبير و التنظم و التعليم و الصحة و العمل…و دعنا نتحدث بصراحة أكبر، ألا يعتبر الشعب التونسي كله سجينا مع تأجيل التنفيذ، فأهل السياسة أمام خيارات ثلاث لا رابع لها، أولها: السير في ركاب النظام و تزكية خياراته مهما كانت( الاستفتاء الدستوري أكبر دليل على ذلك…)، ثانيها: الهجرة، و ثالثها السجن، انظر ماذا حصل للتليلي ومواعدة و السحباني و هم الذين أيدوا النظام الحاكم طويلا بل منهم من نفذ سياساته، وما كان للنظام أن يحقق ما حقق بدونهم و مع ذلك لم يشفع لهم ذلك “فشرفوا” بالسجن المدني، و لا غرابة بعد ذلك أن يسجن المرزوقي و قسيلة و الشماري ، و لم يتردد بعض هؤلاء عن التعبير عن ندمهم على مباركتهم ضرب حركة النهضة لأنهم أدركوا أن النظام قد قدم لهم ما قدم من أجل حشد التأييد على ضرب حركة النهضة و محاصرتها لا غير من أجل التخلص من خصم سياسي جدي و عنيد والاستفراد بعدها بالساحة و لذلك و بمجرد أن حقق هدفه قلب لهم ظهر المجن، ولعل الأيام القادمة تأتينا بأسماء جديدة. أما المواطن العادي، أي العياش، فهو تحت وطأة الكمبيالات و الصكوك المؤجلة و الأقساط المخصومة مباشرة من مرتبه بحيث يكون مجبرا على الاشتغال بأعمال ثانوية في أوقات الفراغ و أيام العطل… أو الانزلاق، إن كان في موقع يسمح له بذلك، إلى الارتشاء…عساه يستطيع الوفاء بما في ذمته من ديون متخلدة، وكل نشاط سياسي غير مرضي عنه يعرض صاحبه إلى ما لا تحمد عقباه، هذا إن لم تدفعه حاجته إلى الانخراط في لجان اليقظة أو خلايا التجمع لا حبا فيه و لا اقتناعا بأفكاره إنما بحثا عن نوع من الحصانة من شأنها أن تحميه من التتبع العدلي عند ممارسة بعض الأنشطة الممنوعة قانونا…
10)هل حظيت بأي إحاطة من الإدارة أو من إحدى مصالحها طيلة هذه المدة؟
لا توجد أية إحاطة، بل كان السعي دؤوبا في سنوات 1992 ـ 1995 على الأقل لتأبيد المكث بالسجن أطول مدة ممكنة، لذلك حرم الإسلاميون من إجراءات العفو لسنوات طويلة و لا زالت نفس الممارسة متواصلة بصيغ أخرى مما أدى ببعض أخواننا إلى رفض العفو الصادر لفائدتهم، فالمحكوم عليهم بالمؤبد كانت تحط أحكامهم إلى عشرين سنة في أول عفو يسند إليهم، أما الإسلاميون فتحط أحكامهم إلى ثلاثين سنة. ولا عجب كذلك أن نجد كثيرا من المساجين يقضون مدة عقوبتهم كاملة و أنه لمن المهازل أن يتمتع أحدهم بالعفو عن بضعة أيام وهو المحكوم بأكثر من عشر سنوات، بل أن أحد شهدائنا أسند له العفو وهو في حالة موت سريري، و كأن الإدارة تريد تحميل عائلته مصاريف نقلته من مستشفى سهلول إلى بيته في حي التضامن…
11)هل وقع إطلاعك على قانون السجون؟ و هل تمتعت بما ورد فيه من حقوق؟
لم يقع إطلاعي على أي قانون أو حقوق أو تراتيب، بل اطلعت عليها عرضا عندما كان يفرض علينا اشتراء مجلة الأمل عند التزود من مغازة السجن و كان ضمن أحد أعدادها سنة 1993 كتاب ضم جملة القوانين المتعلقة بالسجون و الإيقاف التحفظي.. و عمليا فإن التراتيب يضعها ناظر الغرفة و يبلغها للمساجين بتزكية من المشرف على الجناح و مباركته… اما إجراءات التأديب فكثيرة و تجنبا للإطالة فإني اذكر بعضها فقط: إثر تبادلي الحديث مع سجين حق عام أصيل غار الدماء في غرفة 1 جناح ـ أ ـ و كان تبادل الحديث ممنوعا، وقعت نقلتي إلى غرفة 2 من نفس الجناح الذي كان يشرف عليه بوبكر الدريدي الذي أصدر تعليماته بمنع محادثتي ومآكلتي من قبل جميع المساجين بما فيهم سجناء الرأي كما حرمني من الفراش، وكان ذلك في ديسمبر 1993، فدخلت في إضراب عن الطعام، و عند تفطن الإدارة لذلك وقع إيداعي بالسجن المضيق بعد تعنيفي رغم أني طالبت بتسوية وضعيتي عدة مرات، و لم أتمكن من مقابلة المدير، و في اليوم التاسع من الإضراب أرجعوني إلى الغرفة و أعلمني الناظر أنه بإمكاني تناول الطعام مع أحد السجناء الرأي، وتبين بعد ذلك أن كل سجناء الرأي أصبحوا يأكلون أزواجا بحيث بقيت أكل بمفردي لأن عددنا كان فرديا، و مكثت كذلك إلى أن قدم معاقب جديد وهو فريد الخد يمي و أصبحنا نأكل معا. و بالمناسبة أجد من المفيد الحديث عن عقوبة أخرى لأن أسبابها غريبة وعجيبة و العقوبة أغرب و أعجب، كان المدير سيء الذكر سليم غنية يستعد لاستقبال رشيد إدريس في إطار زيارة ” فجئية”، ذلك الفضل العظيم الذي امتن به على رئيس هذه الجمعية دون غيرها، و سعيا لتجنب كل مفاجأة غير سارة و كل ما من شأنه أن ينغص هذه الزيارة وكل من يمكن أن يفضح تجاوزاته و ممارساته أللإنسانية، عمد مدير السجن، بالتنسيق مع القاضي عبدالستار بنور المدير العام للسجون و الإصلاح، إلى نقلة بعض المساجين، نقلة وقتية إلى سجن قابس ( محيي الدين الفرجاني و وحيد السرايري )، حيث مكثا هناك أسبوعا واحدا ثم أعيدا إلى سجن المهدية، و لمزيد إحكام سير هذه الزيارة، تفتقت قريحة المدير على حيلة أخرى تتمثل في إخراج أربعة مساجين و وضعهم في سيارة السجن بدعوى حملهم إلى المستشفى دون أي داع صحي و مكثت السيارة تتجول في طرقات مدينة المهدية و ضواحيها إلى أن انتهت الزيارة الفجئية الميمونة، و قبل ذلك بيومين (يوم الخميس) قابل المدير كل مساجين الصبغة الخاصة، أي سجناء الرأي، و حل بعض الإشكاليات العالقة منذ أشهر، و مكنهم من طرودهم البريدية و محجوزاتهم، و رفع بعض التضييقات مثل منعهم دون غيرهم من ممارسة الرياضة، و استمرت المقابلات إلى ساعة متأخرة من الليل وهو الذي كان برفض مقابلة أي سجين منهم، و في حديثي معه اختلفنا… فما كان منه إلا أن عنفني في مكتبه. و في صبيحة يوم الجمعة، نقلني من غرفة 6 إلى غرفة ” الشباب” بالمصحة، التي أخليت منهم بالمناسبة، وهذه غرفة معزولة تماما لا يمكن أن يتفطن لها الزائر، كما نقل إليها سبعا آخرين من سجناء الرأي، أذكر من بينهم الأسعد ط. و هشام ب. و حاتم بن ر.، وذلك في محاولة منه لإبعادنا، قدر المستطاع، عن المسلك الذي يمكن أن يسلكه رشيد إدريس في زيارته “الفجئية”، لكن المدير لم يهدأ بالا مع ذلك، فقرر إخراج أربعة منا في سيارة السجن قبل حلول رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان، لنمكث داخلها وهي تتجول بنا في شوارع مدينة المهدية وضواحيها إلى أن تمت الزيارة، ثم أعادونا إلى السجن بعد قضاء حاجتهم، وقد تعللوا عند إخراجنا بالذهاب إلى المستشفى رغم انعدام أي سبب لذلك، و عند عودتنا من “جولتنا” القسرية في المهدية، أرجعونا إلى الغرف التي كنا بها قبل تجميعنا في بيت ” الشباب”، لكن مع حرماننا جميعا من فرشنا، فرفضنا هذا التعسف، فوقع إيداعنا بالسجن المضيق، و تداهمنا الحراسة الليلية و تقيد أيدينا و بدأت تعنيفنا واحدا واحدا لإجبارنا على قبول الإقامة في تلك الغرف دون أسرة، فكان لهم ما أرادوا بفعل الهراوات و السياط و الأغلال، و كان المدير نفسه مشرفا على عملية التعنيف، و باشرها الوكيل صدقي ب. و أعوانه، و كان ذلك عند غروب الشمس من نفس اليوم الذي أدى رشيد إدريس زيارته، وهو يوم الأحد 29 ديسمبر 1997، علما بأن “الملوخية” طبخت لأول مرة يومها. و في هذه الغرفة (6) بدأت إضرابي عن الطعام دون الإعلام عنه، و في اليوم الخامس منه، و كنا في شهر رمضان، و أثناء مشاهدة المساجين للكاميرا الخفية، تناولت خليطا متركبا من كيس اومو (350غرام) و كيس صغير من السعوط ( نفة) و4 علب كبريت(الجزء القابل للاشتعال)….و حملت إلى المستشفى الجامعي بالمهدية حيث أقمت به يومين لتنظيف المعدة و المثانة، أعادوني بعدها مباشرة إلى السيلون، ومكثت به خمسا و عشرين يوما دون مثول أمام لجنة التأديب، و لم أخرج منه إلا بمناسبة عيد الفطر، و قد تظاهر المدير بتجاهل أمري تماما، و نقلني إلى غرفة19، وهي غرفة تعرفها جيدا، لكن مع الفراش هذه المرة…
12)متى مكنت من فراش فردي؟ و متى عرضت على الفحص الطبي؟ و متى زارتك عائلتك أول مرة؟
مكنت من فراش فردي بعد عام و ثمانية أشهر، فقد سجنت في أفريل/……1991 و جاء دوري في الحصول على فراش في ديسمبر/… 1992، أما ما يعنيه ذلك من فضاء و كم الهواء النقي واستعمال دورة المياه و الفسحة فإن ذلك لم يحصل إلى حد الآن، و عرضت على الفحص الطبي بعد عام كامل من إيقافي، و ذلك عندما أعادتني فرقة الإرشاد في قابس إلى السجن في حالة يرثى لها من جراء التعذيب الذي مارسوه علي و كانت آثاره ظاهرة للعيان(كدمات، بقع زرقاء في أماكن مختلفة من جسدي…) و نظرا لتدهور صحتي أشفق علي رفاقي في الغرفة، فأعلموا عني ممرض السجن الذي خشي مزيد تعكر صحتي، فأسرع إلى المدير لإعلامه بالأمر، و المدير وقتها هو سليمان حسنون، الذي فزع بدوره عندما رأى آثار التعذيب بارزة جلية و اكتفى بالقول” لا أستطيع الآن فعل أي شيء أكثر من عرضك على الطبيب و توفير الدواء لكن في المستقبل سأنبه على الشرطة، إن قدموا لأخذك ثانية، بأني لن أقبلك في السجن إن وقع تعذيبك بهذه الطريقة “.
أما عائلتي فقد زارتني بعد إيداعي بالسجن ببضع أيام، خاصة وان العائلة كانت تتابع الأمر عن كثب إذ وقع إيقاف أختي(شؤون المنزل) و صهري( زوج أختي الثانية) جديد…
13) الزيارة الأولى؟ مشاعر الزوار؟
كانت والدتي تغالب البكاء، أما الوالد فلم يزرني إلا بعد عام و أربعة أشهر، وهو أشد الناس تأثرا، و لم يستطع إتمام وقت الزيارة- على قصره- في أي مرة طيلة أربعة عشر سنة، فسريعا ما تغالبه الدموع فلا يستطع كتمانها، و يغادر قاعة الزيارة متسللا لواذا…
14) لماذا تجلب العائلة القفة؟ هل تفتش بحضورك؟ هل حدث أن فقدت بعض محتوياتها؟ ماذا فعلت؟
العائلة تعتبر” القفة” واجبا تسديه إلى السجين، كما أنها تعلم أن أكلة السجن رديئة، لذلك كانت تستجيب للتوجيهات التي اقترحها عليها، فكانت تزودني بما يمكن أن يدخل تحسينا على أكلة السجن مثل القديد، الهروس، المرقاز…يوم كان ذلك مسموحا به، لكنهم سريعا ما منعوها. و لم تفتش بحضوري إلا في سجن قابس و ذلك اثر دخولنا في امتناع جماعي على الزيارة(جويلية 1991) مطالبين بتحسين المعاملة و ظروف الإقامة ومن ضمن المطالب أذكر الجرائد و تفتيش القفة بحضور صاحبها…و جاء هذا التحرك مباشرة إثر تعدي عون( الأزهر من قفصة)على مقام الجلالة، فاحتج بعضنا على هذا السلوك الشائن و التجاوز القانوني الصارخ، فما كان من الإدارة إلا أن انتصرت لمنظورها استخفافا بالقانون و تحديا لمشاعر السجناء، فعمدت الإدارة إلى معاقبة المحتجين بحلق أشعارهم بصفة مشوهة و إيداعهم بالسجن المضيق مع حرمانهم من الزيارة، و أذكر من هؤلاء مبروك قريرة و الأسعد قرصان و ألنوري النفاتي و قد كانوا ستا في الجملة، كما كان فقدان بعض محتويات القفة أمرا رائجا( مثل الغلال خاصة).
15) هل من إضافة حصلت لك في السجن؟
“الصبر على الأذى”………
التعرف على فئة من أبناء مجتمعنا من الصعب أن أخالطهم و أتعرف عليهم خارج القضبان، و اقصد المهمشين، وهم إفراز طبيعي من إفرازات المجتمع بل من ضحاياه، و هم نتيجة حتمية للعلاقات القائمة و المنهج التربوي و النمط الثقافي السائد، اهتماماتهم لا تتعدى الجسد، و لا يرى من الأنثى إلا رشاقة القد و غنج الصوت، و لا اعتبار عنده لرجاحة عقل أو رصانة تفكير أو وجاهة رأي و موقف…لم أكن احسب أنهم بهذه الأهمية، و هذا لا ينفي أبدا وجود استعداد لدى العديد منهم للخروج من واقع التهميش، و يبرز ذلك مثلا في استعداد بعضهم لتقديم خدماتهم نكاية في الإدارة و شعورا منهم بالظلم المسلط على سجناء الرأي وان كل ما قيل عنهم لا يعدو أن يكون دعاية مغرضة لتشويه صورتهم و تنفير من حولهم عنهم…
كما إن الإنسان عرف نفسه بصفة أدق و قد خاض تجربة تقتضي تضحيات وصبرا و حكمة، تجربة لا يمكن أن يعيشها خارج القضبان، كما عرف المرء رفاق دربه و خبرهم لأنه خالطهم مخالطة لصيقة طويلة المدى، معرفة تشمل لحظات الفرح و الحزن، الأمل و البأس، و السعة و الضيق… بينما كانت معرفتنا السابقة معرفة سطحية وليدة جلسات ببضع ساعات في الأسبوع، يستطيع المرء أن يتكيف فيها حسب مقتضيات الحال…
16) لنفترض أنك كلفت بإدارة هذا السجن، ماهي الإصلاحات التي تبادر بها؟
أرفض و لو افتراضا أن أكون مدير سجن، لكن كمهتم بشأن المساجين أقول: إن سجن حربوب في حاجة إلى إصلاحات ضرورية و فورية كثيرة، منها
(1) ساحات فسحة أوسع، فهل من المعقول أن تكون الغرفة أوسع من ساحة الفسحة، لا أرى الآن تفسحا في هذه الساحة، بل أرى ضيقا و تزاحما و تدافعا و اشتباكا.
(2) فهل من المعقول أن تكون غرفة مثل هذه(غرفة3) تأوي في المعدل أكثر من ثمانين سجينا، لا تزيد المساحة الخام لشبابيكها عن خمس أمتار مربعة.
(3) مجموعات صحية نظيفة و مناسبة لعدد النزلاء.
(4) تحسين الأكلة.
(5) تنظيم أفضل للقنوة و المشرب، و تعامل أفض و أرقى.
(6) إعادة رسكلة الأعوان و تحسين معاملتهم للمساجين.
بل أقول، إجمالا، كم أود أن يرتقي “حربوب العظيم” في مختلف مصالحه و خدماته إلى مستوى “أسوا” سجن في البلاد، أرأيت رسالة تصل صاحبها بعد شهرين من إيداعها في مصلحة البريد؟ أرأيت توقيت زيارة أقصر من حربوب رغم قلة سجناء الرأي فيه؟ أرأيت في سجن آخر سجينا لا يتسلم ما يقتنيه من دخان أو وصولات قنوة إلا بعد أسبوع أو أكثر؟….
17) وإن افترضنا انك أصبحت مديرا عاما للسجون و الإصلاح، ماهي الإصلاحات التي تحظى بالأولوية لديك؟
ينسحب على سؤالك هذا ما قلته عن سؤالك السابق، و أقول:
(1) الحزم في تصنيف المساجين سنا و حكما و جريمة و حالة جزائية.
(2) توفير تشغيل بمقابل مادي محترم يوفر للسجين عند الإفراج مبلغا ماليا يساعده على الاندماج في المجتمع.
(3) توفير رعاية و إرشاد ديني و أخلاقي و إحاطة يومية من أجل إنقاذ السجين من الانحراف.
(4) توفير عدد من المختصين في علم النفس و علم الاجتماع و الإجرام بعدد كاف للاحاطة بالسجين لان الإنسان لا يولد مجرما، و في غياب إحصائيات دقيقة و مفصلة فإني أستطيع أن أجزم بأن نمو الإجرام يفوق بكثير النمو الديمغرافي.
(5) فتح الآفاق بصفة جدية و دون تمييز أو استثناء لكل من يريد مواصلة دراسته سواء في العمومي أو الخاص مع اعتبار الدراسة و النجاح فيها من المؤشرات المعتبرة في إسناد العفو أو الحط من العقاب.
(6) العقوبات طويلة المدى و مهما تكن الجريمة لا يمكن أن تكون حلا، و لا بد من وضع سقف للمدة التي يقضيها السجين في السجن، لماذا يقضي الزين ولد القابسية 22 سنة – ولم يفرج عنه – وهو الذي دخله و لم يبلغ العشرين؟
(7) إيجاد معايير واضحة و معلومة للجميع لإسناد العفو أو الحط من العقاب لقطع سبل ابتزاز المساجين و عائلاتهم.
(8) السماح بقضاء بعض المناسبات خارج السجن(الأعياد مثلا) لمن تتوفر فيه مقاييس دقيقة و معلومة للجميع.
(9) التخلي عن المراقد الجماعية و العمل على بناء غرف صغيرة لا يتعدى عدد نزلائها العشرة.
18) بم تنصح سجينا جديدا؟
أن يطلب من عائلته توفير كل ضرورياته لان الحاجة في السجن قد تؤدي إلى انحرافات خطيرة ذات عواقب وخيمة جدا، و أن يطالب بكل حقوقه من اليوم الأول و أن لا بتردد في إعلام عائلته بكل مضايقة أو ابتزاز سواء كان من المساجين أو السجانين و أن لا يرضخ لذلك.
19) حكمة( أية قرانية، حديث نبوي، مثل شعبي، بيت شعر..) كثيرا ما ترددها!
“الصبر مفتاح الفرج “، كما كتبت الآيات الثلاث الأخيرة من سورة الطور في أكثر من خمس عشر رسالة، وكلما تلوتها إلا وشعرت باني اقرأها لأول مرة في حياتي.
20) ممنوعات يجب مراجعتها دون تأخير؟
كل الممنوعات المتعارف عليها في التراتيب السجنية يجب أن تراجع، فهل يعقل مثلا أن لا يرى السجين وجهه في المرآة طيلة مدة حبسه و إن امتدت سنوات و سنوات، التخلي التام عن استعمال الأواني البلاستيكية لمضارها الثابتة و العودة على الأقل إلى استعمال أواني الاليمنيوم كما كان الشأن في السبعينات و الثمانينات أي قبل 7 نوفمبر، تمكين المساجين من اقتناء كل الجرائد و المجلات الصادرة بالبلاد، و المزري انه إلى حـد الآن ( في سنة2004) كثيرا يقع منع الجرائد الرسمية و شبه الرسمية، عدم اقتصار قائمة الزوار على الأقارب من الدرجة الأولى، مع تطبيق مبدأ الزيارة المباشرة آليا على الأطفال،
21) مباحات يجب التصدي لها بحزم؟
منع صارم لنوم سجينين في فراش واحد، عدم التساهل في إعطاء “أدوية الأعصاب”، تحديد الفارق العمري بين نزلاء الغرفة الواحدة (عشر سنوات مثلا).
22) حادثة عالقة بذهنك؟
في نهاية 1992 أو في بداية 1993 في سجن القصرين، و أثناء الزيارة وجدت طفلا صغيرا لم يبلغ ستة عشر سنة متهما بالنشاط في حركة النهضة، فأمضيت اغلب وقت الزيارة في طمأنة والدته الملتاعة، و في سنة 2004 في حربوب يوجد صبي لم يتعد نفس السن، و مع ذلك فهو مودع في غرفة تضم أكثر من 100 سجين منهم من دخل السجن أكثر من خمس عشر مرة، فلماذا وجدت الإصلاحيات و قضاة الأحداث و مجلة حقوق الطفل؟
23) هل تذكر اليوم الأول بالسجن؟ مشاعرك؟
هو يوم عادي، شعرت بنوع من الارتياح للابتعاد عن فرق الأمن المختلفة و أجواء التحقيق المرعبة لكنه تبين بعد ذلك انه كان سرابا خلبا، إذ يمكن إعادتك للتحقيق في أي وقت دون أدنى ضمان. لكن مع ذلك الارتياح كانت هناك نوع من الرهبة من المستقبل، فقد دخلت مرحلة جديدة لا اعرف نهايتها كيف تكون و متى تكون؟
24) هل من نصيحة توجهها لإخوانك في المهاجر؟
احرصوا على أن لا تتحول أهم حركة سياسية وجدت في تونس إلى جمعية أجتماعية وخيرية تسعى للم شمل المهجرين…..
25) رأيك في المحطات السياسية القادمة؟
المحطات السياسية لن تكون مغايرة للتي سبقتها في 94 و 95 ففي التشريعية لن تتجاوز حصة المعارضة مجتمعة عدد المقاعد الممنون بها عليها مقابل ولائها…أما الرئاسية فلنترك الحالمين يحلمون، و اربأ ببعض الفضلاء بان تزين بهم الصورة الانتخابية دون أدنى فائدة، فليس هناك في الواقع أي شرط من شروط الانتخابات الحرة و النزيهة و ليس هناك أي مؤشر للسير في هذا الاتجاه.











No comments yet
تلقيمات التعليقات لهذا المقال