
تقديم: صاحبنا قارب الخمسين من العمر، متزوج و له من الأبناء ولد و ثلاث بنات، يعمل كهربائيا ولكن نشاطه السياسي أصبح عقبة أمام مباشرة عمله، و حيل بينه و بين وظائف قارة عديدة بطرق أصبحت غير خافية على المتتبعين للشأن التونسي، تولى الإشراف على جامعة مدنين لحزب الوحدة الشعبية سنوات طويلة، ثم ابتعد عنها متبرئا من سياسة الوفاق الفج الذي انتهجته قيادة الحزب مما قلص شعبيته و إشعاعه حسب تعبيره، و التحق بالمنتدى التونسي من أجل الحريات و العمل الذي يرأسه الدكتور مصطفى بن جعفر معتبرا إياه أفضل من يمثل طموحاته و رؤاه ضمن الأحزاب القانونية و مما شجعه بالخصوص على الالتحاق بالحزب المذكور عدم سقوطه في فخ سياسة الوفاق إن لم نقل في أحزاب الديكور، مع ما يتمتع به أمينه العام الدكتور مصطفى بن جعفر من مصداقية نضالية و مواقف مبدئية من كثير من القضايا الوطنية الملحة و على رأسها مسألة العفو التشريعي العام.
1) هل دار بخلدك يوما أنك قد تكون وراء القضبان؟
كيف لا يكون ذلك حاضرا بذهني و أنا الذي لم أنتم يوما للحزب الحاكم؟ بل كنت دائما معارضا له و لم و لن أتردد أبدا في الجهر بخلافي له وفضح كل ممارسة تعسفية يقترفها أي مسؤول حكومي أو إداري بقطع النظر عن درجتهم، لكن هذا الشعور المبهم اتضح و تأكد في الأسابيع القليلة التي سبقت إيقافي، إذ جدت جملة من الأحداث كانت كافية ليدخل من يقف موقفي السجن و من بابه الواسع، فمساندتي لعائلات شبان جرجيس و كشفي عملية إيقاف أبناء غثمثم إثر فرار أخيهم المتهم بقتل يهودي من سجن حربوب، و خصوصا شهادتي لفائدة مغضوب عليه ادعت عليه صاحبة محل عمومي للإنترنات بقذفها و إحداث الهرج في محلها وتحطيم أثاثه و رغم استنجاد المسكين بعدل منفذ تولى معاينة المخالفة إذ رفضت صاحبة المحل إسداء خدماتها له ويمثل ذلك مخالفة اقتصادية يجرمها القانون التونسي لا يتناطح فيها عنزان، و رغم براءة المسكين مما اتهم به جملة و تفصيلا براءة الذئب من دم يوسف وقميصه فقد أدانته المحكمة، و أيقنت عند صدور الحكم النهائي عليه أني سأكون الضحية القادمة، و يمكن أن تدبر لي و في أي وقت قضية أحال بموجبها على المحكمة التي لن تتردد في تسليط” الحكم المناسب ” علي، و قد تلقيت إثر صدور الحكم في درجته الأولى تهديدات هاتفية” مفادها “تو تخلط عليه”. وفعلا في اليوم الرابع من أكتوبر تم جلبي بالقوة إلى مركز شرطة جرجيس حيث وقع اتهامي بالاعتداء على عون أمن أثناء قيامه بعمله وتحطيم أثاث المركز و التهجم على رئيسه وحكم علي بالسجن مدة 16 يوما نافذة وشهرا مؤجلا.
2) الصورة التي كانت منطبعة في ذهنك عن السجن: هل وجدت في الواقع ألسجني ما يرسخها أو ما يناقضها؟
من خلال مطالعاتي للتقارير التي تنشرها المنظمات الحقوقية داخل البلاد و خارجها، و من خلال زياراتي لتهنئة المساجين المفرج عنهم تكونت لي فكرة عما يدور وراء القضبان، وفعلا شاهدت هذا بأم عيني يوم السبت الخامس من أكتوبر2003 و ما يليه في غرفة 6 بحربوب، غرفة الموقوفين، لكن ليس من شاهد كمن سمع….
3) السجون بين ما تسمعه في الإعلام الرسمي و الواقع ؟
لا علاقة بين واقع السجون التونسية وبين ما تنشره وسائل الإعلام الصفراء وجلاوزة النظام، الواقع يؤكد الحالة المزرية و التعيسة للسجون التونسية، فوسائل إعلامهم تتحدث عن سجون قد تكون موجودة في اروبا أو أمريكا، و الواقع أقرب إلى سجون القرون الوسطى اكتظاظا و اتساخا و رداءة أكلة و اختناقا داخل الغرف و سوء معاملة، أتعرف أول ما قمت به عند إيداعي بالغرفة السادسة: غرفة الموقوفين؟ بادرت إلى قيس طولها وعرضها فكان إحدى عشر خطوة طولا و ثمانية عرضا، و يتجاوز عدد نزلائها المائة والعشرين، و بها ثلاثون سريرا مزدوجا على ما أذكر الآن، أليس من العار أن يجد البق وغيره من الحشرات مرتعا خصبا في سجن حربوب تسرح فيه كما تشاء و لا يزيدها الدواء المستعمل بصفة مشوهة إلا حصانة ومناعة و مقاومة له؟ كما لا يزال التعنيف المادي ممارسا أمام الجميع، وبعيني شاهدت المدير يركل سجينا متهما بسرقة هاتف جوال لا لشيء إلا لأنه احتج على تأخير تقديم الأكلة في شهر رمضان، فهل هذا سبب كاف لتعذيب ذلك الشاب و إهانته؟
4) هل تشعر انك أهنت في مرة من المرات؟
و هل شعرت بذلك مرة واحدة؟ بل من أبناء بلدنا لا يهان يوميا؟ أليس من الإهانة لنا ما تبثه القناة الفضائية التونسية؟ أليس من الإهانة ما تسمعه منها من أخبار و تقارير؟ أليس من الإهانة لنا أن لا نستطيع التعبير عن آرائنا مثل الموريطاني أو الأفغاني أو…؟ أما في السجن فتبدأ من اللحظة التي تجتاز فيها الباب الرئيسي للسجن و يطلب منك التخلي عن ساعتك اليدوية و المحزمة و “الولاعة”و ما عندك من مال…
5) ألا يوجد في السجن ما نال إعجابك أو أثار حفيظتك؟
هل يعني السجن غير تقييد حرية الإنسان و سلبه إرادته، لذلك فكل ما فيه يجعلك ساخطا منذ اللحظة الأولى التي يوصد على المرء أول الأبواب السبعة: الاكتظاظ الفظيع، الأوساخ، الحشرات مثل البق و القمل، مشاهدة بعض المساجين ينامون أرضا، و لا يفترشون غير زاورة واحدة رائحتها تخنق الأنفاس، وهذا أكبر إذلال للإنسان و إهانة له و حط من كرامته و تجريد له من آدميته.
6) ما هي أقسى اللحظات عليك في السجن؟
أقسى اللحظات هي تلك التي يخلو فيها السالمدينة وو يعم فيها الصمت المكان، عند القيلولة حينا و في الثلث الأخير من الليل أحيانا كثيرة، هذا على الأقل ما حصل لي و ما شعرت به، فقد وقع اعتقالي في شهر رمضان و كنت في الظهيرة أتمدد على فراشي و بمجرد أن أفعل ذلك تزدحم الصور في ذهني: بنيتي سهيلة ماذا تراها تفعل الآن؟ و زينب العزيزة هل تمكنت من اشتراء أدواتها المدرسية؟ و محمد كم وعدته من مرة بجولة في شوارع المدينة و أزقتها و أسواقها لكن أضطر إلى تأجيل تلك الجولة بسبب كثرة المشاغل حينا و بسبب العجز عن تلبية رغباته التي يمكن أن تطرأ حينا آخر، و عائشة، زوجتي، تلك المناضلة بعيدا عن الأضواء و التي قد لا يعترف بنضالها أحد غيري، الوالد و الوالدة…أتعبتهما صغيرا و أرهقتهما كبيرا…في تلك اللحظات تمر الثانية كأنها سنة أو أكثر…
7) ما هي أبرز الظواهر السلبية في الحياة السجنية؟
في السجن لا يمكن أن تشاهد أو تعايش ظواهر إيجابية، فكل ما حولك إنما هو إهانة للإنسان و حط من كرامته، و إذلال له، أو غطرسة و عنجهية، و لقد عايشت حدثا بسيطا فيه كفاية لإبراز ما يقاسيه السجين و في بعض الأحيان بتواطؤ من زملائه، رأيت شابا متهما بمواقعة أجنبية دون رضاها كان يتناول حبوبا مهدئة بإشارة من الطبيب المختص، و كان الطبيب قد أمره بأخذ الدواء بعد تناول فطور الصباح، لكن حرص الممرض على توزيع الدواء و تناوله بحضوره لم يقابله حرص إداري على توزيع فطور الصباح في الوقت المناسب بحيث يستطيع السجين تناول الفطور قبل أخذ الدواء، مما سبب لصاحبنا وعكة صحية استدعت نقلته إلى المستشفى الجهوي بمدنين، و عند العودة منه أجبرته الإدارة على الإمضاء على ورقة كتب فيها أنه يرفض تناول الحليب.
8)هل تمكنت من تنمية قدراتك المهنية أو العلمية طيلة إقامتك في السجن؟
لا أبدا، لم تتح لي مثل هذه الفرصة لأن الحديث عن المطالعة عموما، و قراءة الجرائد من طرف وزير العدل لا توجد إلا في مخيلته، و لا يزال السجين في 2003 محروما حتى من المصحف فما بالك بغيره من الكتب…
9) ألآن و قد عرفت السجن و قضيت به ربيع عمرك و زهرة شبابك هل يمكنك أن تعود إليه؟
الإنسان السوي يرفض السجن جبلة لأن السجن يجرده من إنسانيته و يدمره كإنسان يرفض الضيم والتعسف، وسواء مر الإنسان بتجربة السجن أو لم يمر بها فإنه لا يتمنى العودة إليه، هذا إن سمح له بالتمني، و لكن الواقع يصرخ بنا:”كلكم في سراح مؤقت”وبالتالي فإن العودة للسجن واردة في كل حين، و ربما يتمتع المجرم و اللص و المحتال و السارق و القاتل ومغتصب الآدميين وناهب الثروات بالحرية، في حين يسجن رجال الفكر و الإٌعلام و أهل السياسة و أصحاب الرأي و في هذه الحال فلن أتردد عن الصراخ:” السجن أحب إلي مما يدعونني إليه”.
10) هل حظيت بأي إحاطة من الإدارة أو من إحدى مصالحها طيلة هذه المدة؟
أي إحاطة و أي رعاية تتحدث عنها و كأنك جئتنا من كوكب آخر؟ أما الرعاية الاجتماعية فعائلتي محرومة منها في حياتنا المدنية، فهل يأمل المحروم منها في المجتمع أن يحظى بها في السجن؟ و رغم كوني متزوج و أب لأربعة أبناء فإني ضحية سياسة التجويع التي تنتهجها السلطة/ الإدارة التجمعية المحلية إزائي منذ سنوات. أما الرعاية الصحية فقد كنت مضربا عن الطعام وهو ما استجوب عرضي على الفحص الطبي مرتين…
11) هل وقع إطلاعك على قانون السجون؟ و هل تمتعت بما ورد فيه من حقوق؟
هذا السؤال يبدو لي غريبا غربة التونسي الوطني في بلده، فإذا كنا لا نعرف حقوقنا، أو لا نمكن منها خارج السجن، فهل يعقل أن نعرفها أو نمكن منها وراء القضبان؟ وعلى كل حال سأجيبك عن السؤال يا سيدي الكريم، زكريا المقوري يتحدى كل مسؤول يزعم أنه أطلع المساجين على القانون مجرد إطلاع، أما التمتع بالحقوق الواردة فيه فالضرورة تدعوني إلى القول بأنها موجودة في خطاب السيد بن علي لا أكثر، فهي مجرد وضع مساحيق لتجميل صورة باهتة فضحت و بان زيفها في كل أنحاء العالم، و لم يعد يصدقها إلا السذج و المغفلون و المأجورون و لكن مع الأسف ما أكثرهم.
12) متى مكنت من فراش فردي؟ و متى عرضت على الفحص الطبي؟ و متى زارتك عائلتك أول مرة؟
شخصيا مكنت من فراش فردي منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها السجن، لكن عامة المساجين لا يمكنون من ذلك إلا بعد مدة تبلغ عدة أسابيع إن لم نقل عدة أشهر، و قد يلجأ المساجين الميسورون إلى شراء الفراش من ناظر الغرفة مقابل عشرات علب التبغ، و لا اصدق أبدا أن ذلك يتم من دون علم الإدارة التي يبلغها عمن تريد متى نهض من نومه، و ماذا أكل و مع من جلس و تحدث، و متى دخل بيت الخلاء وكم من مرة فعل ذلك، و بم عقب عن الأكلة التي قدمتها السيدة زكية في “بسمة الصباح” في قناتهم الفضائية.
13) الزيارة الأولى؟ مشاعر الزوار؟
لقد تمكنت عائلتي من زيارتي في اليوم الخامس من اعتقالي، وكان ذلك على الساعة الواحدة ظهرا، فوجئت بالزيارة في ذلك الوقت لأنه لم يكن وقت زيارة حسب ما أعلمني به سجناء الحق العام، بل هناك منهم من أخبرني أن عائلته قضت عدة ساعات في انتظار الزيارة لأنها قدمت إلى السجن بعد الساعة الحادية عشرة صباحا بقليل، وكان وفد الزيارة يضم الوالدة التي كانت تبكي باستمرار، و كذلك شقيقتي، و زاد في هلعهما ذلك الحاجز الحديدي الذي يفصلني عنهما، أما زوجتي فكانت تتصنع الصبر حتى ترفع من معنوياتي، أما أنا فكنت عاديا تقريبا و كذلك يجب علي أن أكون في مثل ذلك الظرف.
14) لماذا تجلب العائلة القفة؟ هل تفتش بحضورك؟ هل حدث أن فقدت بعض محتوياتها؟ ماذا فعلت؟
القفة التي تجلبها العائلة لا تفتش بحضور السجين، ورغم أني لم أمكث بسجن حربوب غير أيام معدودات فإني فقدت من القفة كمية من البرتقال و لم أتبين ذلك إلا بعد خروجي من السجن…
15) هل من إضافة حصلت لك في السجن؟
أيقنت أن أول جهاز يجب إصلاحه هو جهاز القضاء، و أن الأنظمة الاستبدادية في مشارق الأرض و مغاربها إنما ترتكز على جهاز القضاء مثل ارتكازها على قوات القمع و الإرهاب، بل أكثر.
16) لنفترض أنك كلفت بإدارة هذا السجن، ما هي الإصلاحات التي تبادر بها؟
توفير فطور الصباح بصفة منتظمة و تقديمه في الوقت المناسب و عندما تساءلت لم لا يقدم الحليب سخنا أجابني أحد المقيمين في الغرفة معي أتريد أن يخلطوا لنا الحليب بالماء ثم يقدموه إلينا؟ و غاب عني ذلك.
إثراء مكتبة السجن و تشجيع المساجين على المطالعة بطرق مختلفة، كما يمكن الانتفاع بخدمات المكتبة المتجولة.
الكف الفوري و التام عن المس بالحرمة الجسدية للسجين.
“تجليز الغرف و تجهيزها بعدد معقول من بيوت الراحة، فالغرفة التي أقمت بها فيها “بيتا راحة” و يقيم بها أكثر من مائة وعشرين سجينا، و الحمد لله أني كنت مضربا عن الطعام فلم احتج للذهاب إلى بيت الخلاء.
إحداث مكان مناسب مخصص للزيارة من حيث الاتساع و التهوئة و الإنارة، و تمديد وقت الزيارة.
توفير ألعاب فكرية بعدد كاف داخل الغرف.
اختصار آجال بعث الرسائل وتلقيها و مراقبتها.
أما الألعاب الرياضية المختلفة فلا أحسب ساحات الفسحة في حربوب مؤهلة لذلك نظرا لضيقها، فلا يعقل أن يمكن بضع أفراد من ممارسة كرة القدم أو الكرة الطائرة و يقضي أكثر من مائة سجين فترة الفسحة قابعا في زاوية من زوايا ساحة الفسحة.
17) وإن افترضنا انك أصبحت مديرا عاما للسجون و الإصلاح، ما هي الإصلاحات التي تحظى بالأولوية لديك؟
توفير فراش فردي لكل سجين وعدم التساهل في ذلك.
إزالة السياج الحديدي الفاصل بين السجين و عائلته أثناء الزيارة و اعتبار أن الأصل في الزيارة أن تكون مباشرة، لكن يمكن حرمان السجين الذي يقبض عليه متلبسا بتسريب أشياء ممنوعة محددة ( أقراص مخدرة أو حشيش أو أسلحة ) من الزيارة المباشرة لمدة محددة تزداد طولا إن عاد إلى صنيعه، دون نسيان التتبع العدلي الممكن إثارته.
العمل على توفير الهاتف داخل السجون و تنظيم استعماله.
انتداب أطباء نفسانيين و أخصائيين نفسانيين واجتماعيين بعدد كاف لرعاية المساجين من كافة النواحي.
18) بم تنصح سجينا جديدا؟
ما كنت تخشاه و أنت حر في المجتمع (السجن) أصبح الآن واقعا ملموسا تعيشه، فيكفيك ما آثرت من السلامة الشخصية فأذعنت للظلم و التعسف و تنازلت عن حقوقك فلا تفرط في شيء منها بعد الآن.
19) حكمة( أية قرآنية، حديث نبوي، مثل شعبي، بيت شعر..) كثيرا ما ترددها!
“يا ظالم لك يوم”….
20) ممنوعات يجب مراجعتها دون تأخير؟
أليس من العار علينا جميعا أن يحرم السجين من الإطلاع على الصحف اليومية التي تصدر ببلادنا، و نحن ندرك جيدا مضامين تلك الصحف، و تغريدها ضمن السرب و عزفها صلب الجوقة المرضي عنها، فمن ابسط مؤشرات الإصلاح في السجون توفير كل النشريات و المجلات و الجرائد المطبوعة بالبلاد، و السماح للمساجين، بل تشجيعهم على مواصلة تعليمهم في مختلف درجاته، و السماح بدخول مختلف الكتب للمساجين، هذه على الأقل الممنوعات التي تؤرق سجناء الرأي. أما مساجين الحق العام فهم أدرى بمطالبهم.
21) مباحات يجب التصدي لها بحزم؟
تجربتي القصيرة في السجن لا تسمح لي بتقديم رؤية واضحة في الموضوع، و مع ذلك أقول إن من أبرز ما يجب التخلص منه هو مهمة “كبران شمبرة” أو ناظر غرفة كما هي عليه الآن فهذا الشخص له من الصلاحيات ما يجعله صاحب نفوذ يمكنه من ابتزاز غيره من المساجين، فتراه يتصرف تصرفا مطلقا في جهاز التلفزة، غلقا وفتحا و اختيارا للقناة، و تجنبا لشره ترى عامة المساجين يتقربون إليه بإهدائه الغلال و الطعام و الدخان و….
22) حادثة عالقة بذهنك؟
إن قصر المدة التي قضيتها بحربوب و إضرابي عن الطعام لم يسمحا لي بالاتصال بالمساجين والتعرف على مشاغلهم، ومع ذلك هناك صورة لا تزال عالقة بذهني إلى الآن و تتمثل في سجين تشتد عليه البرد، فاتصل بكل من يأنس فيه القدرة على مده ب”زاورة” ثانية تقيه برد الليل، فلم يجد آذانا صاغية و باءت كل محاولاته بالفشل الذريع، احتج على ما لاقى بطريقته الخاصة، وبدأ يصيح داخل الغرفة بأعلى صوته، و سريعا يبلغ الأمر للإدارة في أعلى مستوياتها، ويقدم المدير على عجل رفقة كوكبة من مساعديه، ويدعى السجين إلى الخروج ثم ينهالون عليه صفعا و لكما وركلا. و ذكرت كم كنت مغفلا يوم استمعت إلى خطاب رئيس الدولة مبشرا بإلحاق إدارة السجون بوزارة العدل وعقوق الإنسان و ما علق على ذلك من آمال كانت تدغدغ منذ أمد طويل المعارضة.
23) هل تذكر اليوم الأول بالسجن؟ مشاعرك؟
بل هل يجوز نسيانه؟ و أول مفاجأة كانت عثوري على سجين من جهة مطماطة، كنت، مع عائلته، نبحث عنه طيلة ثلاثة أشهر، و قد اعتقل بمركز الأمن الوطني بالمؤانسة، و رغم اتصالنا بالمركز المذكور فقد أنكر أعوانه إيقاف من نبحث عنه بل أنكروا معرفته أصلا. أما مشاعري فمشاعر مظلوم يؤدي ضريبة حبه لبلاده و شعبه و عشقه للإنسان حرا، كريما، عزيزا، و كرهه للخنوع و الهوان و الاستبداد و الطغيان….











No comments yet
تلقيمات التعليقات لهذا المقال